بدأ الفلسطينيون اليوم السبت 25 أبريل 2026 عملية اقتراع بلدية محدودة في الضفة الغربية ومنطقة دير البلح وسط قطاع غزة وسط مشهد سياسي يكشف عجز سلطة رام الله عن تقديم انتخابات جامعة بعد سنوات من تعطيل الحياة الديمقراطية واستمرار الانقسام الداخلي.
تفتح هذه الانتخابات باب التصويت بعد الحرب الأخيرة لكنها لا تفتح باب تمثيل سياسي كامل لأن المنافسة جاءت ضيقة ولأن غياب حركة حماس عن القوائم الرسمية وضع العملية داخل إطار ناقص يعكس أزمة النظام السياسي الفلسطيني أكثر مما يعكس عودة طبيعية للمسار الانتخابي.
اقتراع محدود تحت إدارة سلطة فقدت ثقة واسعة
في البداية فتحت مراكز الاقتراع أبوابها عند الساعة 7 صباحا أمام الناخبين في الضفة الغربية ودير البلح بينما أعلنت لجنة الانتخابات المركزية في رام الله أن نحو 1.5 مليون ناخب يحق لهم التصويت في الضفة إضافة إلى نحو 70 ألف ناخب في دير البلح وسط غزة.
وبالتزامن مع ذلك أظهرت المشاهد الواردة من مدن الضفة ودير البلح توافد مواطنين إلى مراكز الاقتراع رغم أن الظروف الأمنية والاقتصادية والسياسية جعلت المشاركة فعلا شديد الكلفة على مجتمع يعيش تحت الاحتلال والحصار والانقسام وغياب أي أفق وطني جامع.
ثم جاءت تركيبة القوائم لتكشف حدود العملية لأن معظم القوائم انحصرت بين حركة فتح وقوائم مستقلة بينما غابت القوائم المرتبطة رسميا بحركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة منذ عام 2007 وفق ما نقلته تقارير دولية عن مسار الاقتراع.
وفي هذا السياق يرى الكاتب والمحلل الفلسطيني هاني المصري أن أي انتخابات فلسطينية تفقد معناها السياسي عندما تسبقها ترتيبات شكلية ولا يسبقها إنهاء للانقسام وبناء سلطة واحدة ومؤسسات واحدة تستطيع تأمين إرادة الناخبين بلا إقصاء ولا إدارة انتقائية للمشاركة.
وعلى هذا الأساس بدت السلطة الفلسطينية كأنها تستخدم الصندوق لإثبات حضور إداري أكثر من استخدامه لاستعادة شرعية سياسية لأن الناخب وجد نفسه أمام مجال محدود لا يسمح بانتخابات شاملة تقيس وزن القوى الفلسطينية كلها داخل الضفة وغزة والشتات.
غياب حماس وفوز بالتزكية يضعفان معنى المنافسة
بعد ذلك ظهر ضعف المنافسة في مدن رئيسية مثل رام الله ونابلس حيث تقدمت قائمة واحدة فقط وفازت بالتزكية من دون حاجة إلى تصويت وهو ما يجعل الصندوق غائبا فعليا في مواقع كان يفترض أن تمثل اختبارا سياسيا للسلطة والقوى المحلية.
كما أن وجود قوائم مستقلة تضم مرشحين من فصائل مختلفة بينها الجبهة الشعبية لم يلغ حقيقة أن المشهد بقي محكوما بميزان غير متكافئ لأن فتح حضرت بوصفها قوة السلطة بينما حضرت القوائم الأخرى في مساحة محلية ضيقة لا تعوض غياب المنافسة الوطنية الواسعة.
ومن ناحية أخرى قال خليل الشقاقي رئيس المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية إن قياس اتجاهات الرأي الفلسطيني بعد الحرب يظل مرتبطا بمستوى الثقة في المؤسسات والقيادات وبنظرة المواطنين إلى أداء فتح وحماس وإلى قدرة أي مسار سياسي على إنهاء الانقسام لا مجرد تنظيم اقتراع محلي.
لذلك لا يمكن فصل إحباط الناخب محمود بدر في طولكرم عن هذا السياق عندما قال إن نتائج الانتخابات لن تغير الواقع لأن الاحتلال يفرض شروطه على الأرض وهو تصريح يعبر عن شعور شائع بأن المجلس البلدي لا يستطيع مواجهة قيود الاحتلال على الحركة والموارد والإدارة.
وبسبب هذا الواقع تحولت الانتخابات في عدة مناطق إلى إجراء إداري لا إلى منافسة سياسية واضحة لأن الناخب الفلسطيني لا يختار بين برامج قادرة على تغيير شروط حياته بل يختار داخل مجال تفرضه السلطة والانقسام والاحتلال وندرة الموارد البلدية.
دير البلح اختبار رمزي في غزة وخاتمة تكشف مأزق السلطة
في غزة اقتصرت العملية الانتخابية على منطقة دير البلح التي اختيرت بسبب وضعها الأقل تضررا نسبيا من النزوح والدمار مقارنة بمناطق أخرى وقد عدت تقارير دولية هذا التصويت أول فرصة محلية في القطاع منذ انتخابات 2006.
ثم جاءت الترتيبات الخاصة داخل دير البلح لتكشف حجم الاستثناء لأن لجنة الانتخابات استعانت بعاملين من منظمات المجتمع المدني ووضعت ترتيبات أمنية خاصة وأغلقت مراكز الاقتراع عند الساعة 5 مساء بسبب انقطاع الكهرباء وتسهيل الفرز في ظروف قاسية.
وفي هذا الإطار يرى الخبير الاقتصادي والمحلل السياسي الغزي عمر شعبان أن الانتخابات المحلية في غزة يمكن أن تمنح السكان أملا محدودا للخروج من الانسداد لكنها لا تعالج أصل الأزمة ما لم ترتبط بإعادة بناء الحكم المحلي ضمن مصالحة فعلية ومؤسسات شفافة قادرة على خدمة السكان.
وبناء على ذلك بدت مشاركة شابات في دير البلح بوصفها تأكيدا على الوجود أكثر من كونها ثقة كاملة في سلطة سياسية قائمة لأن الناخب في غزة يصوت تحت ضغط الحرب والنزوح وانقطاع الكهرباء وضعف الخدمات لا داخل بيئة طبيعية تسمح بمحاسبة المرشحين.
وفي المقابل أشاد منسق أممي بالعملية بوصفها فرصة للفلسطينيين لممارسة حقوقهم الديمقراطية لكن هذا التوصيف الدولي لا يلغي أن الانتخابات جرت في ظل انقسام قائم واحتلال يضيق المجال العام وسلطة فلسطينية عاجزة عن إنتاج مسار سياسي جامع.
وبذلك تكشف انتخابات 25 أبريل 2026 أن المشكلة لا تقف عند ضعف المشاركة أو غياب حماس أو فوز قوائم بالتزكية بل تصل إلى جوهر الشرعية الفلسطينية التي لا تستعاد بصندوق محدود ولا بإدارة محلية منزوعة القدرة بل بانتخابات شاملة تنهي الإقصاء وتعيد القرار للناس.
وفي الخلاصة تضع هذه الانتخابات سلطة رام الله أمام سؤال واضح لا يمكن تجاوزه لأن الناخب الفلسطيني لا يحتاج إلى اقتراع يثبت بقاء الإدارة بل يحتاج إلى مسار سياسي ينهي الانقسام ويكسر احتكار القرار ويجعل الصندوق مدخلا للمحاسبة لا واجهة محدودة تحت سقف أزمة ممتدة.

