تتحرك أزمة حرية الصحافة في مصر من جديد من داخل نقابة الصحفيين، بعدما قدّم نحو 78 صحفيًا وصحفية مذكرة تطالب النقابة بتكثيف تحركاتها للإفراج عن الصحفيين المحبوسين، وجاءت المذكرة قبل اليوم العالمي لحرية الصحافة في 3 مايو، لتضع الحكومة أمام ملف لم يعد يحتمل التأجيل.
وتكشف المذكرة حجم التدهور الذي ضرب المهنة تحت ضغط الحبس وتقييد المجال العام وحجب المعلومات، لأن الصحافة لا تستطيع أداء دورها في بيئة تطارد الرأي وتترك الصحفيين بين ضعف الأجور وانهيار الأمان الوظيفي وملاحقات قانونية تجعل ممارسة العمل الصحفي مخاطرة يومية.
مذكرة الصحفيين تضع الحبس في قضايا الرأي أمام نقابة الصحفيين
في البداية، طالب الموقعون على المذكرة نقابة الصحفيين بتوسيع تحركاتها من أجل الإفراج عن الصحفيين المحبوسين، لأن استمرار الحبس في قضايا الرأي والنشر يحوّل النقابة إلى خط الدفاع الأخير عن مهنة تتعرض لضغط سياسي وأمني واقتصادي متواصل داخل مصر.
وبحسب ما جاء في المذكرة، يرى الصحفيون الموقعون أن مهنة الصحافة تقوم على حرية الرأي والتعبير، وأن الحكومة أضعفت المجال العام عبر تقليص المساحات المتاحة للنشر، وحجب المعلومات، وملاحقة الصحفيين وكتاب الرأي، وهو ما دفع المهنة إلى مزيد من الانكماش والتراجع المهني.
ثم ربطت المذكرة بين أزمة الحريات وأزمة المعيشة داخل الوسط الصحفي، لأن الصحفي لا يواجه فقط خطر الحبس أو الاستدعاء أو المنع، بل يواجه أيضًا تدهور الأجور وغياب الأمان الوظيفي وضعف الحماية النقابية، وهي عوامل تجعل العمل الصحفي غير مستقر ومهددًا من أكثر من جهة.
وفي السياق نفسه، قالت الصحفية هدير المهدوي، إحدى الموقعات على المذكرة، إن حرية التعبير تمر بأزمة وتضييق كبيرين، وأكدت أن نقابة الصحفيين تملك تاريخًا راسخًا في الدفاع عن حرية الصحافة وحرية الرأي، ولذلك تحتاج اللحظة الحالية إلى تحرك أوسع من البيانات التقليدية.
وعلى هذا الأساس، وسّعت المذكرة نطاق المطالب إلى كل المحبوسين في قضايا الرأي، سواء كانوا صحفيين نقابيين أو غير نقابيين، أو مواطنين عبّروا عن آرائهم بوسائل متاحة لهم، ومن بينهم الشاعر أحمد دومة والمحبوسون على خلفية التضامن مع فلسطين.
كما شددت هدير المهدوي على أن اليوم العالمي لحرية الصحافة في 3 مايو يجب ألا يمر كمناسبة رمزية، بل يجب أن يتحول إلى موعد مهني واضح للدفاع عن جوهر المهنة، وفتح المجال العام، وضمان عدم ملاحقة أي شخص بسبب رأي عبّر عنه.
البلشي يحمّل الملف للنائب العام ويطالب بوقف الحبس في النشر
في المقابل، أكد نقيب الصحفيين خالد البلشي أن الدفاع عن حرية الرأي والتعبير يمثل دورًا أصيلًا للنقابة ولجنة الحريات، وقال إن النقابة قدّمت خلال الفترة الماضية أكثر من مطالبة لإخلاء سبيل المحبوسين، كما استضافت أسرهم أكثر من مرة، وكان آخر ذلك في شهر رمضان.
وبعد ذلك، أوضح البلشي أن النقابة تصطدم حاليًا بإحالة أغلب قضايا الصحفيين المحبوسين إلى المحاكمة، باستثناء عدد محدود من الحالات، لكنه شدد على أن هذا الوضع لا يلغي حق النقابة في المطالبة بإخلاء سبيل من تجاوزوا مدد الحبس الاحتياطي القانونية.
ومن هذه الزاوية، يرى البلشي أن إخلاء سبيل من تجاوزوا الحد القانوني للحبس الاحتياطي أمر وجوبي، لا مجرد مطلب سياسي أو نقابي، ولذلك رفعت النقابة مطالبات إلى النائب العام للإفراج عن هؤلاء، مع تعهدها بضمان مثولهم أمام المحكمة خلال نظر القضايا.
وفي يناير 2025، قدّم البلشي مذكرة إلى النائب العام طالب فيها بالإفراج عن الصحفيين النقابيين وغير النقابيين المحالين للمحاكمة الجنائية ممن تجاوزوا عامين في الحبس الاحتياطي، كما طالب بإخلاء سبيل من أمضوا مدة الحبس الاحتياطي المقررة قانونًا.
ويعزز موقف البلشي ما قاله نقيب الصحفيين السابق يحيى قلاش في مناسبات سابقة عن ضرورة ترجمة نصوص الدستور إلى تشريعات فعلية، لأن النصوص التي لا تمنع حبس الصحفيين ولا تحمي حرية النشر تبقى بلا أثر عملي أمام سلطة تستخدم القانون ضد المجال العام.
لذلك، يطالب البلشي بإغلاق ملف الحبس في قضايا الرأي والتعبير بالكامل، وإصدار قانون يمنع الحبس في قضايا النشر، وإقرار قانون لتداول المعلومات، لأن الحكومة تترك الصحفي يعمل دون حماية قانونية كافية، ثم تحاسبه على معلومات تحجبها مؤسسات الدولة نفسها.
18 صحفيًا خلف القضبان وقائمة الأسماء تكشف اتساع الأزمة
في هذا الإطار، تشير المذكرة إلى وجود نحو 18 صحفيًا وصحفية رهن الحبس، وقد تجاوز بعضهم الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، وهو رقم يضع السلطة أمام مسؤولية مباشرة، لأن استمرار الحبس بعد تجاوز المدد القانونية يهدر ضمانات العدالة ويحوّل الاحتياط إلى عقوبة فعلية.
وتضم القائمة أحمد سبيع، وحمدي الزعيم، ومدحت رمضان، وأحمد أبو زيد، ومحمد سعيد فهمي، ومصطفى الخطيب، وتوفيق غانم، وبدر محمد بدر، وكريم إبراهيم، ومحمد أبو المعاطي، وأحمد الطوخي، وعبد الله سمير، ومحمود سعد دياب، وياسر أبو العلا.
كما تضم القائمة رمضان جويدة، وخالد ممدوح، وأشرف عمر، وصفاء الكوربيجي، وهي أسماء تجعل القضية أبعد من حالة فردية أو نزاع قانوني محدود، لأن كل اسم منها يمثل أسرة متضررة ومؤسسة صحفية خائفة ورسالة واضحة إلى باقي الصحفيين بأن النشر قد ينتهي إلى الحبس.
ومن جهة حقوقية، يؤكد الحقوقي جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان سابقًا، موقفه الرافض للسجن في قضايا النشر، ويربط هذا الرفض بسيادة القانون واحترام حرية التعبير، وهو موقف ينسجم مع مطلب النقابة بإغلاق باب العقوبات السالبة للحرية في قضايا الصحافة.
وبالتوازي مع ذلك، يقول عمرو مجدي، الباحث الأول في هيومن رايتس ووتش، إن السلطات المصرية واصلت خلال العام الماضي إحكام قبضتها وسجنت صحفيين ونشطاء ومدافعين حقوقيين، وهو توصيف يضع قضية الصحفيين المحبوسين داخل سياسة أوسع تستهدف المعارضة السلمية.
وتؤكد مراسلون بلا حدود أن عدد الصحفيين المحتجزين في مصر يبلغ 18 صحفيًا حاليًا، وهو الرقم نفسه الذي تذكره المذكرة تقريبًا، بينما تشير لجنة حماية الصحفيين إلى أن حبس الصحفيين عالميًا يرتبط غالبًا باتهامات أمنية فضفاضة، وهي الاتهامات نفسها التي تواجه صحفيين في مصر.
وعليه، لا تبدو مذكرة 78 صحفيًا مجرد طلب نقابي عابر قبل مناسبة دولية، بل تبدو كوثيقة اتهام مهني ضد سياسة حكومية جعلت حرية الصحافة ملفًا أمنيًا، ودفعت الصحفيين إلى مطالبة نقابتهم بأن تستخدم كل أدواتها دفاعًا عن الحق في المعرفة والنشر.
وفي الخاتمة، تكشف هذه المذكرة أن أزمة الصحافة في مصر لم تعد أزمة أجور أو تراخيص أو أوضاع مهنية فقط، بل أصبحت أزمة حرية وعدالة وقانون، لأن السلطة التي تحبس الصحفي أو تطيل حبسه بسبب رأي أو عمل مهني تهدم حق المجتمع في المعرفة قبل أن تعاقب صاحب القلم.

