بدأت لجنة الدفاع عن سجناء الرأي تحركًا جديدًا بدعوة رؤساء أحزاب وشخصيات عامة إلى وفد يتجه لمقابلة النائب العام، لمتابعة مذكرة قُدمت في ١٤ يناير تطالب بالإفراج الفوري عن المحبوسين على ذمة قضايا رأي بعد تجاوز مدد حبسهم الحد الأقصى المنصوص عليه قانونًا، وهو ما أعاد الملف إلى الواجهة بوصفه أزمة سياسية وقانونية لا مجرد قضية حقوقية مؤجلة.

 

وأوضح هذا التحرك أن المعارضة لم تعد ترى في البيانات الصحفية أو مناشدات الأسر وسيلة كافية للضغط، بعدما مضت الشهور من دون معالجة جذرية للملف، فانتقلت من تسجيل الاعتراض إلى محاولة اختبار موقف مؤسسة الادعاء نفسها، خاصة بعد إعلان اللجنة في ١٧ أبريل قرارات جديدة شملت زيارة مكتب النائب العام في الرحاب لمتابعة المذكرة السابقة وتحويل المطالب إلى تحرك علني منظم.

 

ولفت توقيت الخطوة إلى أن الملف يتحرك هذه المرة تحت ضغط سياسي أوسع، إذ جاء بعد تسعين يومًا من المذكرة الأولى وسط نقاش متجدد عن الإفراجات المحدودة وحدودها، وبعد استمرار شكاوى الأسر والمحامين من بطء المراجعة القضائية، بما جعل الوفد المرتقب أقرب إلى رسالة احتجاج منضبطة تقول إن الصبر على الوعود استُهلك، وإن الوقت صار وقت مساءلة مباشرة.

 

من المذكرة إلى الزيارة.. لماذا خرجت الأحزاب من مقاعد الانتظار

 

وأشار المسار الذي رسمته اللجنة منذ يناير إلى أن القضية لم تبدأ بموعد الزيارة، بل بقرار سياسي وحقوقي لتجميع الضغوط في مسار واحد، حين قُدمت المذكرة للنائب العام باعتبار أن استمرار حبس من تجاوزوا الحد الأقصى صار باطلًا قانونًا، ثم جرى البناء على ذلك بعقد مؤتمر صحفي وتحركات شعبية وقانونية متتالية لأن الاستجابة التي انتظرتها الأطراف المعنية لم تصل بالحجم المطلوب.

 

ويبين كلام المحامي الحقوقي نجاد البرعي أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في الرغبة بالإفراج، بل في هشاشة البناء التشريعي والسياسي الذي أدار الملف كله خلال السنوات الأخيرة، فقد تحدث في أغسطس وسبتمبر ٢٠٢٤ عن توصيات لتقليص مدد الحبس الاحتياطي وإجراء تعديلات على الجزء الأهم من القانون، لكن الوقائع اللاحقة أظهرت أن التوصيات وحدها لم تغيّر واقعًا ما زال يسمح بتمديد الأزمة نفسها بأدوات جديدة.

 

وأكد هذا التتابع أن الأزمة لم تعد بين نص قانوني ومخالفة عارضة، بل بين خطاب رسمي يتحدث عن الإصلاح وخريطة تنفيذية تواصل إنتاج المأزق، لذلك بدت مشاركة أحزاب وشخصيات عامة في الوفد محاولة لسد الفجوة بين ما قيل عن الانفراج وما حدث فعليًا على الأرض، حيث بقيت الإفراجات الجزئية عاجزة عن تغيير الانطباع العام بأن القبضة ما زالت هي القاعدة.

 

الحبس الاحتياطي بوصفه عقوبة.. لا إجراء مؤقتًا

 

وفي ظل هذه الخلفية يصعب فصل التحرك الحالي عن التاريخ الطويل لاستخدام الحبس الاحتياطي كأداة ضغط وعقاب، فقد وثقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في تقريرها "حبس بلا نهاية" وجود ١٤٦٤ شخصًا على الأقل تجاوزوا المدد القانونية للحبس الاحتياطي، وهو رقم قديم نسبيًا لكنه يكشف أن جوهر المشكلة بنيوي وممتد، لا حادثًا طارئًا يمكن احتواؤه ببضعة قرارات إخلاء سبيل متفرقة.

 

وأعاد حسام بهجت هذا المعنى إلى الواجهة من موقعين معًا، الأول بوصفه مدير المبادرة المصرية التي دأبت على توثيق الانتهاكات المرتبطة بالحبس المطول، والثاني بعدما تحول هو نفسه في يناير ٢٠٢٥ إلى طرف مباشر في المشهد إثر استدعائه للتحقيق في قضية جديدة، قبل إخلاء سبيله بكفالة، بما أكد أن المجال العام لا يزال خاضعًا لمنطق الرسائل الأمنية أكثر من خضوعه لضمانات القانون.

 

وفي المقابل تواصل جهات رسمية الحديث عن مراجعة دورية لأوضاع المحبوسين احتياطيًا وضرورة تحقيق التوازن بين الحقوق وسلامة الإجراءات، لكن بقاء الملف مفتوحًا بعد هذا كله جعل تلك اللغة تبدو أضعف من أن تقنع معارضين أو أسرًا أو حتى متابعين محايدين، لأن الوقائع المتكررة صارت تقول إن المراجعة أبطأ من الانتهاك، وإن التصحيح يأتي دائمًا بعد أن يكون الضرر قد ترسخ.

 

اختبار جديد للمؤسسات.. هل تسمع السلطة قبل أن تنكر

 

كما يرى الباحث في منظمة العفو الدولية محمود شلبي أن استدعاء الحقوقيين والمدافعين عن الحريات في قضايا جديدة يكشف استمرار استخدام أدوات التحقيق والاتهامات الفضفاضة لبث الخوف ومعاقبة الأصوات المستقلة، وهو تقدير يتجاوز حالة بعينها إلى وصف آلية عمل كاملة، لذلك تبدو زيارة النائب العام اختبارًا حقيقيًا لما إذا كانت الدولة ستتعامل مع المطالب باعتبارها استحقاقًا قانونيًا أم باعتبارها مجرد ضوضاء معارضة.

 

ويرى مراقبون أن نتيجة اللقاء، إن عُقد من دون قرارات واضحة أو جدول زمني معلن، ستضيف سببًا جديدًا لانعدام الثقة في حديث الانفتاح، لأن المسألة لم تعد تدور حول الإفراج عن أسماء فردية فقط، بل حول الاعتراف بأن هناك مسارًا كاملًا جرى تشغيله ضد المعارضين ثم قُدم للرأي العام على أنه عدالة عادية، بينما يعرف الجميع أنه كان إدارة سياسية للخوف عبر أبواب النيابة والسجن.

 

وأخيرًا يضع هذا الوفد السلطة أمام سؤال لا يمكن الهروب منه بالبيانات ولا بتكرار وعود الإصلاح، وهو ما إذا كانت مستعدة لإنهاء استخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة مقنعة أم أنها ستواصل تدوير الأزمة حتى تفقد المؤسسات آخر ما تبقى من صدقيتها. فإذا خرج اللقاء بلا إفراجات ملموسة وبلا مراجعة حقيقية، فسيكون ذلك إعلانًا جديدًا بأن الدولة لا تدير الملف بالقانون، بل تدير القانون نفسه على مقاس القبضة.