بدأت أجهزة مدينتي حدائق أكتوبر والعبور خلال الأيام الأخيرة التحرك بصيغة تبدو حاسمة على الورق، بين حملات إزالة لمخالفات البناء في مناطق «ابني بيتك» واجتماعات موسعة لاحتواء غضب السكان في «دار مصر»، لكن تتابع المشهدين يكشف أن الدولة لا تتحرك هنا من موقع التخطيط المسبق، بل من موقع اللحاق بمشكلات تراكمت ثم انفجرت دفعة واحدة أمام المواطنين.

 

من الإزالة إلى السؤال المؤجل عن الغياب الرقابي

 

أوضحت حملة جهاز حدائق أكتوبر، التي نُفذت بتنسيق بين إدارات التنمية والأمن وشرطة التعمير، أن القرار الإداري ما زال يفضل التدخل عند لحظة المخالفة الظاهرة لا قبلها، مع أن قانون البناء رقم 119 لسنة 2008 يحظر صراحة إنشاء أو تعديل أو تعلية مبان من دون ترخيص، ويقرر عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة، بما يعني أن المشكلة ليست في نقص النصوص بل في تعطيل إنفاذها مبكرًا.

 

ولفتت الإزالات التي شملت المنطقة السابعة والرابعة والأولى والثانية في «ابني بيتك» إلى أن الأجهزة تتحرك الآن لإزالة زيادات بنائية بعد حدوثها فعليًا، وهو ما يجعل الحزم المعلن أقرب إلى علاج متأخر منه إلى رقابة فعالة، لأن المخالفة حين تكتمل تكون قد مرّت من أعين متابعة محلية كان يفترض أن ترصدها في بدايتها لا بعد تحولها إلى عبء على السكان والمدينة.

 

ويبين ما قاله الدكتور أحمد صلاح عثمان، أستاذ التخطيط العمراني بجامعة عين شمس، أن التعامل الجاد مع مخالفات البناء لا يكتفي بقرارات وقتية، بل يحتاج إلى سياسات تمنع أصل المخالفة وتغلق دوافعها قبل وقوعها، وهو طرح يفضح قصور منطق الحملات المفاجئة الذي يحقق أثرًا بصريًا سريعًا لكنه لا يبني نظامًا مستقرًا يمنع تكرار الأزمة في الحي نفسه بعد أسابيع قليلة.

 

حين تتحول الخدمات إلى ملف شكاوى مفتوح

 

وأكد اجتماع رئيس جهاز العبور مع ممثلي سكان «دار مصر» أن ما يواجهه المشروع لم يعد مجرد ملاحظات عابرة، بل قائمة أزمات يومية تشمل الكلاب الضالة والنظافة وضعف ضغط المياه وتراجع العناية بالمسطحات الخضراء والحاجة إلى حضور أمني أكبر، وهي كلها ملفات لا تظهر فجأة، وإنما تتكون نتيجة متابعة رخوة وشركات تعمل بلا محاسبة حقيقية إلا بعد اتساع شكوى السكان وصعوبة احتوائها.

 

وفي موازاة ذلك، فإن حديث الجهاز عن المحاسبة الفورية لشركات النظافة والصيانة والمرافق يكشف بوضوح أن الخلل قائم داخل منظومة الإشراف نفسها، لأن الشركة التي تُهدد اليوم بالعقاب كانت تتلقى بالأمس مستحقاتها وتواصل عملها رغم انخفاض الأداء، ما يعني أن الإدارة لم تتحرك من تلقاء نفسها، بل تحركت حين أصبحت الشكوى الجماعية أكثر إحراجًا من الاستمرار في التجاهل.

 

وأشار الدكتور المهندس فايز بدر، استشاري مشروعات المياه والصرف الصحي، إلى أن جزءًا من أزمة مرافق المدن الجديدة يرتبط بسوء الإدارة وضعف الصيانة وعدم تشغيل الشبكات والروافع والمحطات بالكفاءة المطلوبة، وهي قراءة تفسر مباشرة ما يشتكي منه سكان «دار مصر» في فترات الذروة، لأن ضعف ضغط المياه ليس تفصيلا فنيا منفصلا، بل نتيجة إدارية متراكمة لسنوات من المتابعة المرتبكة.

 

القانون حاضر.. لكن الإدارة تصل متأخرة

 

ويرى المشهد الأوسع أن الدولة فتحت منذ صدور قانون التصالح رقم 187 لسنة 2023 مسارًا لتقنين أوضاع قائمة، ثم فعّلت اللائحة التنفيذية في السابع من مايو 2024، كما أقرت الحكومة لاحقًا تخفيضًا بنسبة خمسة وعشرين في المئة عند السداد الفوري، ومدت المدة المقررة لتقديم الطلبات ستة أشهر إضافية تبدأ من الخامس من نوفمبر 2025، ومع ذلك ظلت المخالفات والخدمات المتعثرة تكشف أن التشريع وحده لا يصنع انضباطًا من دون جهاز محلي حاضر يوميًا.

 

وفي ظل هذا السياق، فإن اجتماع العبور لا يمكن فصله عن أزمة أوسع في الإدارة المحلية، لأن المواطن لا يطلب رفاهية زائدة حين يطالب بمياه مستقرة ونظافة منتظمة وتأمين فعلي ومعالجة ملف الكلاب الضالة، بل يطلب الحد الأدنى من وظيفة الجهاز التنفيذي، وهي الوظيفة التي تفقد معناها حين يصبح الاجتماع الدوري بديلاً عن الخدمة، ويصبح الوعد بالمتابعة أهم من المتابعة نفسها.

 

كما يرى الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية، أن جوهر الإصلاح يبدأ من منح صلاحيات فعلية ومحاسبة واضحة داخل المنظومة المحلية، لأن المركزية وتعطل التشريعات المكملة يفتحان المجال لضعف الأداء وتفاقم الأزمات اليومية، وهو كلام يفسر لماذا تبدو المدن الجديدة أحيانًا غنية باللافتات وفقيرة في الإدارة، كثيرة الاجتماعات قليلة النتائج، سريعة في الرد الإعلامي بطيئة في الحل التنفيذي.

 

وأخيرًا، فإن ما جرى في حدائق أكتوبر والعبور لا يصلح بوصفه إنجازًا مكتملًا بقدر ما يصلح بوصفه دليل إدانة على إدارة لا تتحرك إلا بعد وقوع الضرر، فالهدم بعد المخالفة ليس نجاحًا كاملًا، والاجتماع بعد الغضب ليس استجابة مثالية، وما لم تتحول الرقابة من رد فعل إلى فعل سابق، ستظل المدن الجديدة تدفع ثمن جهاز يعلن الحسم متأخرًا، ويطالب المواطن كل مرة بأن يشكر السلطة لأنها قامت أخيرًا بما كان يجب أن تقوم به من البداية.