مصطفى عبد السلام

رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"

 

هناك مؤشرات عدة على أن الإمارات تُعاقب باكستان بشدّة هذه الأيام، بل وتحاول خنقها اقتصاديًا وإيلامها ماليًا، ردًّا على مواقف سياسية عدة للدولة النووية قد لا تروق الدولة الخليجية الثرية، مثل تقارب باكستان السياسي والعسكري الملحوظ والقوي مع السعودية لدرجة التحالف، ووصول قوة عسكرية من باكستان إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية بالسعودية قبل أيام ضمن اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك الموقعة بين البلدين.

 

بل وإعلان وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف في سبتمبر الماضي أن قدرات بلاده النووية يمكن أن تُستخدم في إطار اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك التي أبرمتها إسلام أباد مع الرياض، وتنسيق مصري تركي باكستاني سعودي في قضايا تهم المنطقة، والحديث المتنامي من أن إسلام أباد لن تلتزم الحياد وتبقى عليه هذه المرة إذا تعرضت السعودية لأي هجوم من إيران.

 

كذلك تلعب باكستان دورًا قويًا في قيادة ملف التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، وتقريب وجهات النظر بين الدولتين المتحاربتين، ومحاولة وقف الحرب الشاملة في منطقة الشرق الأوسط، وقد يكون لهذا الأمر دور مهم في توتير العلاقات بين أبوظبي وإسلام أباد، إن صدقت التقارير التي تفيد بأن من مصلحة أبوظبي استمرار الحرب على إيران وإضعافها عسكريًا واقتصاديًا، خاصة مع الأضرار الكبيرة التي لحقت بالدول الخليجية جراء استهدافها من قبل الصواريخ والمسيرات الإيرانية.

 

الجميع في إسلام أباد يحبسون الأنفاس، فإما الحصول على دعم خليجي ودولي عاجل، وإما نشوب اضطرابات اقتصادية عنيفة ستنعكس بسرعة على الشارع الباكستاني

 

وهناك من يربط بين تصريحات وزير الدفاع الباكستاني الأخيرة التي شن فيها هجومًا لاذعًا على إسرائيل، وتعميق هذا التوتر بين العاصمتين، خاصة مع لغة الوزير آصف الحادة، إذ وصف إسرائيل بأنها "شر ولعنة على البشرية"، ودعا إلى "أن يحترق في الجحيم أولئك الذين أنشأوا هذه الدولة السرطانية على الأراضي الفلسطينية للتخلص من اليهود الأوروبيين"، وقال إن إسرائيل تقتل مواطنين أبرياء، أولًا في غزة، ثم في إيران، والآن في لبنان، وأن سفك الدماء مستمر "بلا هوادة"، لكن لا يوجد دليل ملموس على ذلك الرابط.

 

أبرز مؤشرات معاقبة باكستان وأحدثها هو مطالبة حكومة أبوظبي إسلام أباد بسداد قرض إماراتي مستحق يوم 23 إبريل الجاري قيمته 3.5 مليارات دولار، يتضمن وديعة مالية بقيمة ملياري دولار، واللافت هنا أن القرض جرت العادة على تجديده بشكل دوري وتأجيل سداده منذ عام 2018، بما في ذلك قروض بقيمة ثلاثة مليارات دولار، لكن خلال العام الجاري انتقل القرض من حالة التمديدات السنوية الروتينية إلى الشهرية، وصولًا إلى قرار أبوظبي بضرورة السداد الكامل خلال أيام.

 

توقيت سداد القرض الإماراتي بالغ الحرج والحساسية بالنسبة إلى باكستان التي تعاني من أوضاع مالية صعبة زادت حدتها عقب اندلاع الحرب على إيران وزيادة كلفة واردات الوقود ونقص الإمدادات المرتبط بالحرب وتصاعد مخاوف التضخم وتهاوي العملة، لأن سداد القرض يضع ضغوطًا كبيرة على احتياطيات الدولة الباكستانية من النقد الأجنبي والتي تُقدّر حاليًا بنحو 16.4 مليار دولار، ويشكل القرض نحو 18% من إجمالي الاحتياطيات.

 

كما أن باكستان مطالبة بسداد مستحقات دولية ضخمة أخرى تقدّر بمليارات الدولارات خلال العام الجاري، إضافة إلى أن صندوق النقد الدولي يضغط بشدة على إسلام أباد، إذ يربط صرف قرضه الحالي، البالغة قيمته سبعة مليارات دولار، بتجديد الودائع الثنائية مع الدول المانحة، مثل الصين والسعودية والإمارات.

 

باكستان تراهن على ودائع خليجية جديدة قيمتها خمسة مليارات دولار قد تأتي من السعودية وقطر، خاصة في ظل الزيارة التي أجراها وزير المالية السعودي محمد بن عبد الله الجدعان إلى إسلام أباد قبل أيام بهدف إظهار "الدعم الاقتصادي السعودي لإسلام آباد"، وجاءت مباشرة عقب إعلان باكستان أنّها ستُسدّد مليارات الدولارات من القروض للإمارات.

 

لكن لا تتوافر معلومات موثقة عن تلك الودائع واحتمالية الحصول عليها، وإن كان وزير المالية الباكستاني محمد أورنجزيب قد خرج علينا اليوم الثلاثاء قائلًا إن إسلام أباد تدرس خيارات، منها إصدار سندات دولية والحصول على قروض من دول أخرى وديون تجارية لسداد 3.5 مليارات دولار للإمارات وإدارة احتياطاتها من العملات الأجنبية.

 

الجميع في إسلام أباد يحبسون الأنفاس، فإما الحصول على دعم خليجي ودولي جديد وعاجل، وإما نشوب اضطرابات اقتصادية عنيفة ستنعكس على الشارع الباكستاني بسرعة في صورة أزمات معيشية، وزيادة في أسعار السلع الضرورية، وتراجع في قيمة العملة المحلية الروبية مقابل الدولار، وربما تعثر عن سداد أعباء الديون الخارجية.