أعاد الكنيست الإسرائيلي في 30 مارس ملف الإعدام إلى قلب الصراع، لكن هذه المرة عبر قانون صيغ على نحو يجعل الفلسطينيين الهدف العملي شبه الحصري له، في الضفة الغربية المحتلة أولًا، وفي منظومة العدالة العسكرية التي تحاكمهم ثانيًا.

القانون الذي مرره اليمين الإسرائيلي بدفع مباشر من إيتمار بن غفير وبمساندة شخصية من بنيامين نتنياهو، لا يقدم نفسه بوصفه تعديلًا جنائيًا عاديًا، بل يعلن انتقالًا جديدًا من إدارة الاحتلال بالقوة إلى إدارة الفلسطينيين بنصوص تشرعن القتل بعد المحاكمة.

ولهذا لم يأت الغضب العربي والإسلامي من فراغ، حين أدان وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر وإندونيسيا والأردن وباكستان وقطر والإمارات القانون، واعتبروه تصعيدًا خطيرًا يهدد بمزيد من التوتر الإقليمي، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الحقوقية من أن تطبيقه التمييزي قد يرقى إلى جريمة حرب.

وبينما يتحدث الاحتلال عن الردع، يتحدث القانون نفسه عن شنق، وعن تسريع للتنفيذ، وعن محاكم عسكرية لا تعرف المساواة أصلًا.

 

ولا تقف خطورة المشهد عند حدود الإدانة السياسية أو الصدمة الحقوقية، لأن القانون يكشف مرة أخرى أن الأنظمة العربية ترفع الصوت حين يشتد التوحش الإسرائيلي، لكنها تبقى حتى الآن عاجزة عن تحويل الغضب إلى كلفة فعلية على تل أبيب.

البيان المشترك حذر من التمييز ومن الطابع العنصري للتشريع ومن أثره على استقرار المنطقة، بينما ركزت بيانات أخرى صادرة من مصر والأردن والجامعة العربية على كونه انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي والإنساني، وجزءًا من نظام فصل عنصري ضد الفلسطينيين.

لكن السؤال الذي يتقدم الآن لا يتعلق فقط بما قاله العرب، بل بما يمكنهم فرضه قبل أن يتحول النص الإسرائيلي إلى أداة قتل جديدة داخل السجون والمحاكم العسكرية.

هذه الفجوة بين اللغة الدبلوماسية والرد العملي هي التي تجعل القانون أخطر من مجرد تشريع داخلي، لأنه يختبر قدرة العالم العربي على حماية الأسرى في لحظة يتسع فيها نفوذ بن غفير ويتحول فيها نتنياهو إلى غطاء سياسي كامل لليمين الأكثر تطرفًا داخل إسرائيل.

 

تشريع عنصري جديد يضع الأسرى الفلسطينيين تحت تهديد الشنق

 

أقر الكنيست الإسرائيلي القانون في 30 مارس بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48، وجعل الإعدام شنقًا العقوبة الافتراضية للفلسطينيين من سكان الضفة الغربية الذين تدينهم المحاكم العسكرية في قضايا القتل المصنف إسرائيليًا ضمن “الإرهاب”.

كما خفض القانون مستوى الضمانات الإجرائية، فلم يشترط إجماع القضاة، وحدد مهلة تنفيذ سريعة تبلغ 90 يومًا، وقيّد فرص الاستئناف والعفو، وهو ما جعل القانون أقرب إلى مسار معجل نحو القتل منه إلى مسار قضائي عادي.

 

ثم إن الطابع التمييزي لم يعد محل جدل واسع حتى داخل التغطيات الغربية والإسرائيلية، لأن بنية الاختصاص القضائي في الاحتلال تجعل الفلسطينيين وحدهم تقريبًا تحت سلطة المحاكم العسكرية، بينما يخضع الإسرائيليون، بمن فيهم المستوطنون، للمحاكم المدنية.

لهذا قالت تقارير وبيانات حقوقية إن القانون لا يطبق نظريًا على الجميع إلا في النص المجرد، أما في الواقع فإنه يستهدف الفلسطينيين أولًا وأساسًا، وهو ما حوله من عقوبة استثنائية إلى أداة فصل قانوني معلن.

 

وبعد ذلك، جاء التحذير الأشد من فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، الذي قال إن القانون يتعارض بوضوح مع التزامات إسرائيل الدولية، ويثير مخاوف جدية تتعلق بانتهاك ضمانات المحاكمة العادلة، كما وصفه بأنه “تمييزي بعمق” وطالب بإلغائه سريعًا.

تورك أضاف أن تطبيقه على سكان الأرض الفلسطينية المحتلة قد يشكل جريمة حرب، وأنه يرسخ التمييز والفصل العنصري بدل أن يحقق العدالة.

 

وفي السياق نفسه، قال آدم كوغل، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، إن المسؤولين الإسرائيليين يزعمون أن القانون مرتبط بالأمن، لكن الحقيقة أنه يرسخ نظامًا ثنائيًا في العدالة ويعمق التمييز، وهما من سمات الفصل العنصري.

كوغل أشار أيضًا إلى أن الجمع بين مهلة التنفيذ القصيرة والتضييق على الاستئناف يعني أن التشريع صمم لقتل الفلسطينيين بصورة أسرع وبقدر أقل من التدقيق القضائي.

 

الغضب العربي موجود لكن سؤال الحماية الفعلية ما زال بلا جواب

 

في مواجهة هذا التصعيد، صدر بيان مشترك باسم وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر وإندونيسيا والأردن وباكستان وقطر والإمارات أدان القانون بأشد العبارات، واعتبره خطوة تمييزية تهدد الاستقرار الإقليمي، وتندرج ضمن بنية أوسع من الفصل العنصري والإنكار المنظم للحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني.

هذا الموقف العربي والإسلامي المشترك أعطى القضية وزنًا سياسيًا إضافيًا، لكنه لم يجب حتى الآن عن سؤال التنفيذ العملي لما بعد الإدانة.

 

ثم دعمت القاهرة وعمان وجامعة الدول العربية هذا المسار ببيانات منفصلة أدانت القانون واعتبرته تصعيدًا خطيرًا ومخالفة صريحة للقانون الدولي ولضمانات المحاكمة العادلة.

مصر وصفت الخطوة بأنها تعزز الفصل العنصري، بينما قالت الأردن إن القانون يمثل انتهاكًا للقانون الدولي والإنساني، وأكد أحمد أبو الغيط أن التشريع يضرب أسس العدالة ويكرس التمييز ضد الفلسطينيين.

هذا التراكم في المواقف يثبت وجود رفض عربي واضح، لكنه لا يغير وحده ميزان القوة ما لم يصاحبه ضغط فعلي.

 

وبسبب هذا العجز بين الكلام والفعل، تتجدد التساؤلات حول دور العرب في حماية الأسرى الفلسطينيين في ظل التوسع المستمر لنفوذ بن غفير.

القانون لم يأتِ بقرار بيروقراطي صامت، بل جاء بعد احتفال علني من بن غفير داخل الكنيست، وبعد تصويت شخصي من نتنياهو لصالحه، ما يؤكد أن ما يجري ليس مبادرة هامشية بل سياسة دولة تحتضنها القيادة السياسية نفسها.

وفي مثل هذه اللحظة، تصبح الإدانة وحدها أقل من مستوى الخطر.

 

كما أن المحامية الحقوقية ديانا بطو ناقشت في مقابلة مع برنامج “هير آند ناو” المخاوف الحقوقية من أن لغة القانون وشروطه تقود عمليًا إلى استثناء الإسرائيليين اليهود من التطبيق المتكافئ، وتترك الفلسطينيين وحدهم تقريبًا تحت مقصلة المحاكم العسكرية.

أهمية هذا التدخل أنه يعيد النقاش إلى جوهره الأصلي، وهو أن القضية لا تتعلق بعقوبة قصوى مجردة، بل بقانون صمم داخل بنية استعمارية تملك طرفًا واحدًا للمحاكمة وطرفًا واحدًا تقريبًا للعقوبة.

 

نتنياهو يمنح الغطاء السياسي وبن غفير يحول التطرف إلى تشريع

 

بعد ذلك، يصبح سؤال نتنياهو مركزيًا، لأن رئيس الحكومة لم يكتف بالسماح بمرور القانون، بل حضر شخصيًا وصوت لصالحه، في إشارة سياسية واضحة إلى أن المسألة ليست مجرد مجاراة شكلية لوزير الأمن القومي.

التقارير الإسرائيلية أظهرت أن مكتب نتنياهو مارس بالفعل ضغوطًا لتعديل بعض الصيغ الأشد فجاجة، لكنه لم يسحب دعمه للقانون نفسه، بل وفر له الغطاء اللازم حتى يمر في القراءة النهائية.

 

ثم إن هذا الدعم لا يمكن فصله عن موقع بن غفير داخل الائتلاف. عودة بن غفير إلى الحكومة في مارس أعادت تقوية الائتلاف الحاكم بعد خروجه السابق، وأعطت نتنياهو مساحة أوسع في لحظة داخلية وإقليمية ضاغطة.

ومن هنا يبدو دعم القانون جزءًا من تثبيت التوازن مع اليمين المتطرف داخل الحكومة، لا مجرد اقتناع جنائي أو أمني منعزل.

هذا استنتاج تدعمه معطيات الائتلاف، وحضور نتنياهو الشخصي في التصويت، واحتفاء بن غفير باعتبار القانون نصرًا سياسيًا خاصًا به.

 

وفي المقابل، لم يأت الاعتراض فقط من الخارج، بل من داخل إسرائيل أيضًا.

جلعاد كاريف، وهو من أبرز معارضي القانون في لجنة الأمن القومي بالكنيست، وصفه بأنه “قانون غير أخلاقي” يتعارض مع القيم التأسيسية ومع القانون الدولي.

كما أعلنت أحزاب معارضة ومنظمات حقوقية، بينها جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل، أنها ستطعن فيه أمام المحكمة العليا، معتبرة أن الكنيست تجاوز سلطته بسن قانون يطال السكان الفلسطينيين المحميين في الضفة الغربية المحتلة.

 

ولذلك، لا يبدو القانون مجرد محاولة لإرضاء قاعدة يمينية غاضبة، بل خطوة مركبة تجمع بين منطق العقاب الجماعي ومنطق البقاء السياسي.

نتنياهو يمنح المشروعية الحكومية، وبن غفير يدفع نحو النص الأكثر تطرفًا، والأسرى الفلسطينيون يدفعون الثمن المباشر تحت عنوان “الأمن”. هكذا تتكامل الأدوار داخل اليمين الإسرائيلي، فلا يبقى بن غفير مجرد متطرف صاخب، ولا يبقى نتنياهو مجرد براغماتي يوازن بين الضغوط، بل يصبح الاثنان شريكين في إنتاج قانون يوسع القتل باسم الدولة.

 

وفي الخاتمة، يكشف هذا القانون أن إسرائيل لا تكتفي بالحرب المفتوحة على الفلسطينيين في غزة والضفة، بل تنقل منطق التصفية نفسه إلى داخل النصوص القضائية لتمنحه شرعية برلمانية وشكلًا إجرائيًا.

وزراء الخارجية العرب أدانوا وحذروا وطالبوا بالمساءلة الدولية، لكن الخطر الحقيقي يبدأ إذا بقي هذا كله عند حدود البيان.

لأن بن غفير لا يدفع نحو قانون رمزي، ونتنياهو لا يصوت لمجرد تسجيل موقف، والاحتلال لا يسن هذا النوع من التشريعات إلا وهو يريد أن يختبر إلى أي حد يستطيع قتل الفلسطيني تحت غطاء المحكمة كما يقتله تحت غطاء الدبابة.

وإذا بقي الرد العربي في مستوى الإدانة وحدها، فإن السؤال لن يكون فقط من يحمي الأسرى، بل من يوقف انتقال الإعدام من تهديد في الكنيست إلى واقع في السجون والمحاكم العسكرية.