تعود أزمة الطاقة في مصر إلى واجهة المشهد الاقتصادي في وقت تكشف فيه بيانات الإنتاج والاستهلاك أن الحكومة تدير عجزا متصاعدا أكثر مما تدير فائضا قابلا للتصدير.
فقد بلغت معدلات الاستهلاك مستويات قياسية ضغطت على الشبكة القومية وأعادت أزمة تخفيف الأحمال إلى المجال العام بصيغة أكثر اتساعا.
وفي المقابل تراجعت معدلات إنتاج الغاز المحلي بصورة ملحوظة، بينما تقلصت القدرة على تدبير النقد الأجنبي اللازم لاستيراد الشحنات التي يفترض أن تسد الفجوة.
هذه المعادلة لا تعكس خللا عابرا في سوق الوقود، بل تكشف أن قطاع الطاقة بات يتحرك تحت ضغط نقص الإمداد ونقص السيولة في الوقت نفسه.
ومع اتساع هذا الضغط تواصل الدولة الاعتماد على الحصص المقررة من الحقول المشتركة وعلى الكميات الواصلة من الجانب الآخر لتأمين احتياجات محطات الكهرباء التي تواجه طلبا متزايدا مع ارتفاع درجات الحرارة واتساع الاستهلاك المنزلي والصناعي.
وفي الوقت الذي تتسع فيه حاجة السوق المحلي إلى كميات إضافية، تستمر عمليات شحن الغاز المسال عبر الموانئ من أجل الحفاظ على التدفقات المالية وتنفيذ العقود الخارجية المسبقة.
هذا الترتيب يكشف أولوية واضحة تمنح التزامات التصدير مساحة متقدمة حتى مع عودة انقطاعات الكهرباء وتراجع القدرة على تلبية الطلب الداخلي بصورة مستقرة.
كما تكشف الأرقام الرسمية أن مصر صدرت خلال الفترة الماضية نحو 11 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، ذهبت 80 بالمئة منها إلى الأسواق الأوروبية الباحثة عن بدائل بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
وبين حاجات الداخل وضغوط الخارج تقف الدولة أمام معادلة شديدة القسوة، لأن كل شحنة تخرج من محطتي إدكو ودمياط تعني موردا ماليا مطلوبا للخزانة، لكنها تعني أيضا تقليص هامش الأمان المتاح لتشغيل المحطات داخل البلاد في وقت يتزايد فيه العجز وتتعاظم كلفة الحلول المؤقتة.
مسارات الإسالة والالتزامات الخارجية
تؤكد الأرقام الرسمية أن مصر صدرت خلال الفترة الماضية نحو 11 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، وهو رقم يعكس استمرار النشاط التصديري رغم تراجع الإنتاج المحلي واتساع الحاجة الداخلية.
وقد اتجهت نسبة 80 بالمئة من هذه الكميات إلى الأسواق الأوروبية التي سعت منذ فبراير بعد الحرب الروسية الأوكرانية إلى تأمين بدائل سريعة لمصادرها التقليدية من الطاقة.
ثم يبرز موقع مصر في هذا المسار بسبب امتلاكها أكبر طاقة إسالة في شرق المتوسط عبر محطتي إدكو ودمياط، وهو ما جعلها لاعبا أساسيا في حركة الغاز الإقليمية.
لكن هذا الموقع لم يخفف المعضلة الداخلية، لأن القدرة الكبيرة على الإسالة دفعت الدولة إلى المحافظة على العقود الخارجية، بينما ظلت السوق المحلية تتحمل أثر النقص في الإمدادات واللجوء إلى تخفيف الأحمال.
وفي هذا السياق يقول الخبير البترولي مدحت يوسف إن تشغيل محطات الإسالة يمنح الدولة موردا دولاريًا مهما، لكنه يفرض عليها التزاما مستمرا بالكميات المتعاقد عليها حتى في أوقات الضغط الداخلي.
ويضيف يوسف أن المشكلة لا ترتبط بقدرة المحطات على العمل، بل ترتبط بقدرة الدولة على تدبير الغاز الكافي لتشغيلها دون خصم مباشر من احتياجات محطات الكهرباء المحلية.
لذلك تتعامل الحكومة مع ملف التصدير بوصفه جزءا من إدارة السيولة وليس مجرد نشاط تجاري مستقل.
فكل شحنة غاز مسال تخرج من الموانئ تساعد في استمرار التدفقات المالية وتدعم الوفاء بعقود خارجية مسبقة، لكن استمرار هذا المسار يضع الدولة أمام سؤال مباشر يتعلق بأولوية التوزيع بين التزام خارجي ثابت وطلب محلي يتزايد تحت ضغط الاستهلاك والانقطاعات الدورية.
إدارة الموارد تحت ضغط الاستهلاك والعجز
تشير تقارير فنية إلى أن مصر عادت عمليا إلى مرحلة ما قبل الاكتفاء الذاتي نتيجة تناقص الاحتياطيات المكتشفة وتراجع إنتاجية عدد من الحقول المحلية.
وهذا التراجع لم يبق في حدود القطاع البترولي، لأن أثره انتقل مباشرة إلى إدارة الكهرباء وإلى سياسات الاستهلاك العام، فبدأت الحكومة في فرض إجراءات تقشفية لتقليل الفاقد ومحاولة تقليص الفجوة القائمة.
وبسبب هذا العجز اتجهت السلطات إلى إغلاق المحال التجارية في ساعات محددة وإلى تخفيض إنارة الشوارع كجزء من خطة ضغط الاستهلاك.
هذه الإجراءات تؤكد أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بمستوى الإنتاج، بل باتت مرتبطة أيضا بطريقة توزيع النقص على قطاعات الحياة اليومية.
وعندما تصل إدارة الطاقة إلى هذا المستوى، تصبح الأزمة جزءا من المشهد الاقتصادي والاجتماعي معا.
وفي هذا الإطار يقول خبير هندسة البترول والطاقة إبراهيم زهران إن العودة إلى الاستيراد لم تأت من فراغ، بل جاءت نتيجة تراجع الإنتاج المحلي مقابل طلب متزايد على الكهرباء والوقود.
ويؤكد زهران أن استمرار نقص الاستثمارات الموجهة للاستكشاف والتنمية يفاقم الفجوة، لأن الحقول القائمة تفقد جزءا من إنتاجها الطبيعي بمرور الوقت بينما لا تدخل اكتشافات جديدة بالحجم الكافي لتعويض هذا الفاقد.
وبعد ذلك تبدو فجوة الاستهلاك أكثر وضوحا لأن الكميات المصدرة تمنح الميزان التجاري فائضا مهما، لكنها في الوقت نفسه تؤثر مباشرة على استدامة الخدمة المقدمة للمواطنين.
فكلما اتسعت الحاجة إلى الدولار زادت أهمية التصدير، وكلما زادت كميات التصدير تقلص الهامش المتاح للشبكة المحلية. وهكذا يتحول الفائض التجاري في الأوراق إلى ضغط فعلي على البيوت والمصانع في المحافظات.
السيولة الدولارية وحلول الاستيراد المؤقت
تبحث الحكومة عن حلول عاجلة لمواجهة فجوة الطاقة المتسعة مع استمرار تراجع إنتاجية الحقول، ولذلك تتحرك المباحثات الفنية لزيادة كميات الغاز المستورد بهدف إعادة ضخه في الشبكة أو إعادة تدويره وتصديره بحسب الحاجة المالية.
هذا التحرك يكشف أن المنظومة لم تعد تعتمد على الإنتاج المحلي وحده، بل باتت تعتمد على القدرة على الشراء من الخارج في توقيتات حرجة.
لكن هذا الخيار يرتبط مباشرة بتوفر السيولة الدولارية اللازمة لسداد قيمة الشحنات، وهي النقطة التي تعقد الأزمة أكثر.
فشراء الغاز المسال من السوق العالمية لا يتم في ظروف مريحة، لأن الأسعار تتغير مع التوترات الجيوسياسية وتزايد المنافسة العالمية على الشحنات.
ولذلك تصبح إدارة ملف الطاقة جزءا من إدارة النقد الأجنبي بقدر ما هي جزء من إدارة الوقود داخل البلاد.
وفي هذا السياق يقول الخبير الاقتصادي وائل النحاس إن أزمة الغاز في مصر لم تعد أزمة إنتاج فقط، بل صارت أزمة تمويل أيضا، لأن الدولة تحتاج إلى الدولار حتى تسد العجز الذي نتج عن تراجع الحقول.
ويضيف النحاس أن أي خطة تعتمد على شراء شحنات تعويضية بأسعار السوق ستبقى حلا مؤقتا ومكلفا ما دام العجز الهيكلي في الإنتاج قائما وما دام الطلب المحلي مستمرا في الارتفاع.
ومن ثم ترتبط السياسة التصديرية برغبة واضحة في استغلال الفرص التي فتحتها الحرب الروسية الأوكرانية ورفعت الطلب العالمي على الغاز، لكن هذه الرغبة تصطدم يوميا بضرورة تأمين الوقود لمحطات التوليد.
ولهذا تستمر الدولة في محاولة الموازنة بين حصيلة التصدير واستقرار الخدمة، غير أن اتساع الفجوة يجعل كل توازن مؤقتا وكل معالجة مرهونة بقدرة الخزانة على تحمل الكلفة.
وبعد ذلك تتفاقم الأزمة مع غياب رؤية شاملة تحسم أولوية التوزيع بين الاحتياج المحلي والمطالب الخارجية الطارئة.
فالمؤشرات الحالية تدل على أن الضغوط مرشحة للاستمرار لفترة أطول إذا لم تدخل حقول جديدة قادرة على تعويض الفاقد في الإنتاج.
ومع استمرار هذا الوضع تضطر الدولة إلى توسيع الاعتماد على حلول مؤقتة تشمل شراء شحنات من الغاز المسال بأسعار السوق العالمية وتوزيع آثار النقص على المستهلكين.
لذلك تواجه المنظومة ضغوطا ثقيلة لتوفير الطاقة للمصانع والبيوت في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على موارد الغاز وتتعقد فيه الالتزامات الإقليمية.
هذه الضغوط لا تكشف فقط حدود القدرة الحالية على إدارة الأزمة، بل تكشف أيضا أن استمرار التصدير بوضعه القائم مع تراجع الإنتاج يفرض على السوق المحلية كلفة مباشرة يدفعها المستهلك في الخدمة وفي الأسعار وفي انتظام الكهرباء.
وفي المحصلة تكشف أزمة الغاز في مصر أن الدولة لا تدير ملفا قطاعيا ضيقا، بل تدير تناقضا مفتوحا بين التزام خارجي يدر دخلا عاجلا واحتياج داخلي يطالب بإمداد مستقر لا يحتمل التأجيل.
وكلما تأخر علاج أصل المشكلة في الإنتاج والاستكشاف والتمويل، بقيت البلاد أسيرة حلول مؤقتة تتبدل من شحنة مستوردة إلى إجراء تقشفي جديد، بينما يظل المواطن هو الطرف الذي يتحمل النتيجة النهائية لهذه المعادلة المختلة.

