محمد طلبة

رضوان كاتب صحافي

 

لماذا لم تتحوّل مصر إلى سورية؟ لأنّ الإمارات أنفقت عليها... هكذا يخبرنا أستاذُ علوم سياسية إماراتي في حوار مع رباب المهدي، في بودكاست "الحلّ إيه؟". تغيب عن هذا المثقّف (ربّما عمدًا) بديهيات الاجتماع السياسي في مصر التي تجعل المقارنة مع سورية خطأ فادحًا: دولة مركزية قوية، وشعب، في تكوينه الغالب، ريفي الثقافة، زراعي المزاج، لا يحمل السلاح، لا على الدولة ولا على بعضه بعضًا، ومشكلاته مجتمعة لا تُقارن من حيث البنية والتعقيد بما شهدته سورية، كما أنّ ما يصفه بعض مثقّفيه بـ"الطائفية" هو "تمييز" له أسبابه السياسية والاجتماعية، وهو مؤهّل للحلّ، متى توافرت "الإرادة"، وغير مؤهّل للتحوّل إلى حرب أهلية، إذ لا تتوافر فيه الشروط اللازمة لذلك، ولذلك لا يمكن لأي أكاديمي جادّ وضعه في الإطار الذي تُفهم من خلاله الطائفية في سورية.

 

يراوغ المتحدّث الإماراتي بالقول إنّه لا علاقة له بالتاريخ أو بالجغرافيا، إنّما يتحدّث عن فوضى "الربيع العربي"، والإخوان المسلمين، والعقد الماضي من تاريخ مصر، ويستشهد بخطابات الرئيس عبد الفتّاح السيسي التي أشارت إلى أموال "الأشقّاء"، بوصفها سببَ "الاستقرار". ما الذي يجعل هذا الكلام مهمًّا؟ أن بعض المصريين يصدّقونه، لا لأنّ الأبواق الإماراتية تردّده فحسب، بل لأنّ الخطاب الرسمي في مصر يتبنّاه، ولذلك الاهتمام بهذا الكلام غير المهمّ مهمّ، وقد جرّبنا مرارًا ترك بعض الروايات التي تبدو في ظاهرها كوميدية ولا تستحقّ الانشغال بها، ثم فوجئنا، مع تبنّي بعض المصريين لها وترديدهم إياها، بأنّها تتحوّل إلى "وقائع"، وربّما يأتي من يخبرك بعد خمسين سنة بأنّ مصر هبة الإمارات (!).

 

البدايات كثيرة، والمداخل أكثر، لكن لنبدأ من "الربيع العربي" كما بدأ "الخبير" الإماراتي، وتحديدًا في مصر. وهذا الكلام تاريخٌ رأيناه بأعيننا، وهو هنا لإنعاش الذاكرات، لا أكثر. لم تشهد مصر فوضى "حقيقية" بأي معنى مع ثورة 25 يناير (2011). ما حدث أنّ "الشعب ركب"، وفق الجملة المسرّبة الشهيرة التي أخبر بها أحد أفراد الشرطة المصرية قائده بعفوية عبر جهاز اللاسلكي، وهو أمر لم تعتده أجهزة الأمن المصرية التي لا تعرف عن عملها سوى الركوب على ظهر المواطن. انسحبت الشرطة، ولم يكن انسحابها في ذاته سببًا للفوضى، فلم تكن الفوضى المحدودة التي شهدتها البلاد عدّة أيام نتيجة مباشرة لتظاهرات أو لانسحابات أمنية، بل كانت أداة ردع صنعتها الدولة المصرية، وتحديدًا "الداخلية" التي لم يحاكم قادتها على هذه الجريمة التي لا وصف لها أدقّ من الخيانة.

 

فتحت الدولة المصرية أبواب السجون، وفق روايات عدّة، أبرزها رواية مساعد وزير الداخلية، ورئيس مباحث قطاع السجون، اللواء محمّد البطران الذي رفض أوامر وزير الداخلية حبيب العادلي بفتح السجون، لتنفيذ مخطّط الفوضى وحاول إيقافه، ودفع حياته ثمنًا لأداء واجبه (قتله زملاؤه). تغلّب المصريون على هذا المخطّط الإجرامي، وشكّلوا لجانًا شعبية لحماية شوارعهم وبيوتهم، وكان المجتمع صمّام الأمان لنفسه، وسبب الاستقرار الوحيد من دون أجهزة الأمن التي هُزمت أمام شعبها فتراجعت. خسرت دولة مبارك في معركة السلطة، وخسرت داخليته في معركة الفوضى، وضحّى قادته في الجيش برأسه ثمنًا لرؤوسهم، ومن هنا بدأت الثورة المضادّة التي دعمتها الإمارات وغيرها.

 

من هنا، بدأ دعم خليجي: دعم دولة مبارك ضدّ شعبها وثورته وأمنه واستقراره وكفاحه لتغيير نظام الحكم من عسكري إلى مدني، ومن استبدادي إلى ديمقراطي، وهي التجربة التي خشيت الإمارات (وغيرها) من نجاحها وتصديرها، ولذلك دفعوا إلى إحباطها.

 

لا يشوّش على هذه الصورة سوى وصول "فصيل ديني" إلى السلطة، وهو أحد أخطاء الثورة المصرية القاتلة، والثغرة التي مرّ منها عساكر مبارك وحلفاؤهم، لكن هذا لا يعني أنّ مصر كانت مؤهّلة للسيناريو السوري، وأنّ الكيان الإماراتي أو غيره أنقذها. كانت مصر في طريق المستقبل، والإمارات، وغيرها، هم من أوقفوها، ولكن إلى حين.