كشفت التصريحات المتداولة عن حزمة جديدة لترشيد استهلاك الكهرباء أن الحكومة تعود مرة أخرى إلى الوصفة نفسها كلما ضاقت إمدادات الوقود وارتفعت كلفة التشغيل، إذ طُرحت إجراءات تمس الشارع والعمل والتجارة بوصفها حلًا مؤقتًا، رغم أن تكرار هذا المسار منذ يوليو 2023 يؤكد أن الأزمة أعمق من أن تُدار بقرارات انضباط يومي عابرة.
إجراءات سريعة تعيد إنتاج الأزمة
أوضحت التفاصيل المتداولة أن الحزمة المقترحة لا تبدأ من توسيع الإنتاج أو خفض الهدر الفني داخل الشبكة، بل من تقليص الإنارة العامة، وتشديد القيود على النشاط التجاري الليلي، وتقليص ساعات العمل في الحي الحكومي، مع التوسع في العمل من المنزل، وهي صيغة تكشف أن السلطة تفضّل نقل كلفة الاختلال إلى المجتمع بدلًا من تقديم علاج مباشر لمصدر الاختلال نفسه.
ولفت هذا التوجه الانتباه لأن مصر واجهت بالفعل انقطاعات واسعة في يوليو وأغسطس 2023 حين هبط إنتاج الغاز الطبيعي إلى أدنى مستوياته في ثلاثة أعوام خلال الأشهر الخمسة الأولى من ذلك العام، بينما دفعت موجات الحر الطلب إلى أعلى، ما أجبر الحكومة على العودة إلى تخفيف الأحمال واستيراد وقود بديل لتشغيل بعض المحطات.
وفي هذا السياق، يرى مارك أيوب، الزميل غير المقيم في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، أن ما جرى لم يكن حادثًا عابرًا فرضه الطقس وحده، بل انكشافًا واضحًا لهشاشة أمن الطاقة في مصر تحت ضغط تعطل الإمدادات الإقليمية والضائقة الاقتصادية، وهو توصيف ينسف الرواية الرسمية التي تحاول تقديم التقشف الكهربائي كإجراء فني محدود لا أكثر.
الاعتماد على الغاز يضيّق هامش المناورة
ويبين أصل المأزق أن قطاع الكهرباء في مصر يظل شديد الارتباط بالغاز الطبيعي، وهو ما يجعل أي تراجع في الإنتاج المحلي أو أي ارتفاع في كلفة الاستيراد ينعكس فورًا على قدرة الشبكة على تلبية الطلب، بينما تؤكد تقديرات متعددة أن حصة الغاز من توليد الكهرباء ما زالت مهيمنة، بما يبقي المنظومة رهينة لمصدر واحد يتآكل تحت ضغط الاستهلاك.
وأكدت تقارير البنك الدولي أن تحسين إتاحة الطاقة والاعتماد عليها في مصر ارتبط أيضًا بالحاجة إلى إصلاح الحوكمة والاستدامة المالية وجذب الاستثمار، لا بمجرد زيادة التوصيلات أو المناورات الإدارية المؤقتة، وهو ما يعني أن أي حديث عن ترشيد استهلاك بلا إصلاح مالي وإنتاجي موازٍ لا يقدم حلًا، بل يؤجل لحظة الانفجار التالية.
وفي موازاة ذلك، قال علي هاشم، وهو مستشار في شؤون الطاقة، إن الإجراءات التي استهدفت توفير الغاز عبر تخفيف الأحمال والتحول إلى أنواع وقود أكثر تلويثًا حققت نتائج دون المستوى، لأن المنظومة لم تكسب استقرارًا دائمًا، بل دفعت ثمنًا اقتصاديًا وبيئيًا إضافيًا، وهو تقدير يوضح أن وفورات اليوم قد تتحول إلى فاتورة أثقل غدًا.
الكلفة تنتقل من الشبكة إلى السوق والمجتمع
وأشار أثر هذه السياسات إلى أن الإغلاق المبكر وتقليص الإنارة وتقليص ساعات العمل لا تمس استهلاك الكهرباء فقط، بل تضرب مباشرة قطاعات تعتمد على المساء والذروة الليلية مثل المطاعم والمقاهي والمراكز التجارية والخدمات، وبذلك لا تعود الدولة بصدد ترشيد محايد، بل تعيد توزيع الأزمة على أصحاب الأعمال والعمال والمستهلكين الذين يدفعون ثمن الخلل مرتين.
وفي ظل هذا الضغط، لفت البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إلى أن اضطرابات الطاقة في السنة المالية 2024 ارتبطت بتراجع إمدادات الغاز المحلية وتراكم المتأخرات المستحقة لشركات النفط والغاز الأجنبية بسبب شح النقد الأجنبي، ما يعني أن المشكلة لا تقف عند حدود الاستهلاك المرتفع، بل تمتد إلى التمويل وسداد الالتزامات وتأمين الوقود في الوقت المناسب.
كما ترى كارول إتيان، محللة الغاز في وكالة الطاقة الدولية، أن الهبوط الكبير في إنتاج حقل ظهر بين 2021 و2024 أصاب قطاع الكهرباء المعتمد على الغاز بنقص واضح في 2024، وهو تقدير يفسر لماذا تبدو التدابير المتداولة اليوم استمرارًا لمسار اضطراري قديم، لا خطة جديدة قادرة على فك الاشتباك بين الطلب المتزايد والإنتاج المتراجع.
ما بعد الحلول المؤقتة
ويرى المسار الكامل للأزمة أن السلطة انتقلت من قرار تقشفي سريع إلى تفاصيل تمس الحياة اليومية، ثم إلى تبرير يربط كل شيء بالسوق العالمية والتوترات الإقليمية، قبل أن تكشف الخلفية الفعلية عن اعتماد مفرط على الغاز، وضعف في المرونة التمويلية، وتأخر في الإصلاح البنيوي، لتصل النتيجة أخيرًا إلى ما هو أخطر من انقطاع الكهرباء نفسه، وهو تطبيع العجز وتقديمه كسياسة حكم يومية.
وتؤكد الخلاصة أن الإجراءات المتداولة لعام 2026، إن طُبقت بهذه الصيغة، لن تكون دليل كفاءة بقدر ما ستكون اعترافًا جديدًا بأن الدولة ما زالت تدير أزمة مزمنة بالأدوات نفسها التي فشلت سابقًا، لأن البلد الذي يطفئ الشوارع ويختصر العمل ويكبح السوق كي يحافظ على الشبكة، لا يكون قد حل أزمة الطاقة، بل يكون قد نقلها من المحطات إلى حياة الناس.

