منذ الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، لم يعد مضيق هرمز ممراً تجارياً مفتوحاً بالمعنى المعروف. الأرقام تقول إن الحركة انهارت. والوقائع تقول إن العبور لم يتوقف تماماً، لكنه بات انتقائياً ومحكوماً بموازين القوة والتفاهم المباشر مع طهران. النتيجة أن واحداً من أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم صار يعمل بحده الأدنى، بينما تمر السفن التي نجحت في العبور ضمن ترتيبات ضيقة، كان الحضور الإيراني فيها هو العامل الحاسم.

 

حركة منهارة وممر لا يعمل إلا استثنائياً

 

خلال الفترة من 1 مارس وحتى الساعة 04:00 ت غ من يوم 26 مارس، سجلت سفن الشحن 138 عملية عبور فقط عبر مضيق هرمز، بحسب بيانات مؤسسة «كيبلر». هذا يعني هبوطاً بنسبة 95% مقارنة بما كان يجري قبل الحرب. الرقم وحده كافٍ لفهم حجم الاضطراب. نحن لا نتحدث عن تباطؤ عابر. نحن أمام شلل فعلي في ممر يمر عبره في الظروف العادية جزء أساسي من تجارة الطاقة العالمية.

 

هذا الانخفاض لم يقتصر على سفن البضائع العامة. من بين 138 عملية عبور، كانت 87 لناقلات نفط وغاز. وأكثر من نصف هذه الناقلات كانت محملة بالفعل. اللافت أن معظمها كان متجهاً شرقاً إلى خارج المضيق. هذا التفصيل يكشف أن الحركة لم تكن عشوائية، بل بدت أقرب إلى عبور محدود ومنضبط، يسمح بخروج شحنات بعينها تحت ظرف أمني شديد القسوة.

 

ريتشارد ميد، رئيس تحرير مجلة «لويدز ليست» المتخصصة في معلومات الشحن، قال بوضوح إن حركة المرور عبر مضيق هرمز لا تزال تعاني من «اضطراب شديد». وشرح أن الغالبية التي ما زالت تتحرك تتكون من سفن البضائع السائبة وناقلات النفط وسفن الحاويات. وأضاف أن الأسبوع المنتهي يوم الخميس الماضي شهد زيادة في عدد ناقلات الغاز التي عبرت هذا الممر. المعنى هنا مباشر. الممر لم يعد مفتوحاً للسوق. بل صار يعمل وفق استثناءات ضيقة وتحت رقابة ثقيلة.

 

عبور بتنسيق سياسي ومسار يلتف حول الخطر

 

يوم الاثنين انضمت 3 سفن جديدة إلى قائمة العابرين. ناقلتان ترفعان العلم الهندي كانتا محملتين بغاز البترول المسال. والثالثة ناقلة نفط متجهة إلى الصين. هذه البيانات وردت عبر خدمة المراقبة البحرية «مارين ترافيك» التابعة لشركة «كيبلر». أهمية هذه السفن لا تتعلق فقط بحمولتها، بل بالطريقة التي عبرت بها، وما إذا كانت تكشف عن مسار جديد فُرض عملياً تحت الإشراف الإيراني.

 

الناقلة «جاغ فاسانت» والناقلة «باين غاز» كانتا تحملان نحو 45 ألف طن متري من غاز البترول المسال عند مغادرتهما المضيق. الأولى حُمّلت في الإمارات. والثانية في الكويت. وكلتاهما غادرتا بعد التحميل في أواخر فبراير. أما الناقلة «برايت غولد» التي ترفع علم بنما، فغادرت المضيق محملة بنحو 40 ألف طن متري من غاز الميثان، ومن المفترض أن تصل إلى الصين في 13 أبريل. هذه الوقائع توضح أن العبور لا يزال ممكناً، لكنه يمر عبر قناة شديدة الانتقائية.

 

المعطيات المتاحة تشير إلى أن السفن الثلاث استخدمت مساراً يعتقد أنه معتمد من طهران حول جزيرة لارك قبالة الساحل الإيراني. هذا ليس تفصيلاً فنياً. هذا يعني أن خط الملاحة نفسه يعاد تشكيله الآن وفق إرادة السلطة المسيطرة على الضفة الإيرانية. ميد أشار إلى أن حكومات بينها الصين والهند وباكستان والعراق وماليزيا أجرت على ما يبدو محادثات مباشرة مع طهران، ونسقت عبور السفن مع الحرس الثوري الإيراني. بذلك لم يعد السؤال: من يملك سفينة؟ بل: من يملك إذن المرور؟

 

ميد لفت أيضاً إلى أن «لويدز ليست» كانت قد سجلت الأسبوع الماضي عبور 9 سفن على الأقل عبر هذا «الممر» الذي يبدو أنه معتمد من إيران، وذلك بهدف الخضوع لفحص من جانب سلطاتها. والأكثر دلالة أن سفينتين من السفن التي عبرت يوم الاثنين، وهما «برايت غولد» و«باين غاز»، أبقتا على بث إشارة نظام التعريف الآلي. وهذا أمر نادر بالنسبة لسفينة غير إيرانية في الظروف الراهنة. المعنى السياسي واضح. هناك عبور يجري تحت عين طهران، وليس بعيداً عنها.

 

السفن الخاضعة للعقوبات تهيمن والنفط يتجه إلى الصين

 

بريدجيت دياكون، المحللة في «لويدز ليست إنتليجنس»، أوضحت أن النسبة الأكبر من السفن التي عبرت المضيق كانت مملوكة أو مسجلة في إيران، تليها السفن اليونانية ثم الصينية. هذا الترتيب لا يعكس فقط جنسيات العابرين. هو يكشف من تمكن من التكيف مع الوضع الجديد، ومن بقي خارج المشهد. ميد كان أكثر صراحة حين قال إن إيران ما زالت تسيطر على المضيق وتواصل تصدير نفطها، بينما الحركة العامة متوقفة إلى حد كبير.

 

تحليل بيانات العبور أظهر أن أكثر من 40% من السفن التي مرت منذ بدء الحرب كانت خاضعة لعقوبات أميركية أو أوروبية أو بريطانية. وبين ناقلات النفط والغاز ارتفعت النسبة إلى نحو 59%. هذه الأرقام تقول إن الحركة المتبقية لم تعد حركة طبيعية لسوق منظم، بل ممر تضيق فيه الخيارات إلى حد يجعل السفن المعاقبة وأساطيل الظل جزءاً أساسياً من المشهد.

 

دياكون شددت في إيجاز لها منذ 16 مارس على أن أي سفينة متجهة غرباً تقريباً كانت إما من أسطول الظل أو ناقلة غاز أو ناقلة نفط، وأن هذه الفئات باتت تهيمن بالكامل على حركة الملاحة العابرة. هذا وصف مهني، لكنه يحمل اتهاماً واضحاً للنظام الملاحي الدولي بالعجز. لأن ما بقي من المرور لم يعد يخضع لقواعد التجارة المفتوحة، بل لقواعد الضرورة والمخاطرة والالتفاف على العقوبات.

 

أما الوجهة الأوضح فكانت الصين. محللو السلع في بنك «جيه بي مورغان» قالوا إن معظم النفط الذي يعبر المضيق يتجه إلى آسيا، وتحديداً إلى الصين. كما أشار محرر شؤون آسيا والمحيط الهادئ في «لويدز ليست» سيتشن شين إلى وجود مؤشرات على الإنترنت تفيد بأن السلطات الصينية تعمل على «خطة خروج» لناقلاتها الضخمة العالقة في المنطقة.

ووفق تقديرات «جيه بي مورغان»، فإن 98% من حركة النفط الملحوظة عبر المضيق كانت إيرانية، بمتوسط 1.3 مليون برميل يومياً في أوائل مارس. وهنا تتضح الصورة كاملة. الممر الذي كان يعبره خُمس نفط العالم والغاز الطبيعي المسال في أوقات السلم، لم يعد يعمل إلا بما تسمح به إيران، ولمن توافقت معه، وللنفط الذي يجد طريقه إلى الصين.