عاد الدولار الأميركي للصعود أمام الجنيه المصري خلال تعاملات الخميس 26 مارس، مقتربًا مرة أخرى من مستوى 53 جنيهًا، بعد أسابيع قليلة فقط من اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير.

 

الحركة لم تعد تفصيلًا مصرفيًا عابرًا. هي انعكاس مباشر لاقتصاد يظل شديد الحساسية لأي صدمة خارجية، خصوصًا حين ترتبط الصدمة بخروج الأموال الساخنة، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب شهية المستثمرين تجاه أدوات الدين الحكومية.

 

وفي بلد يدفع أصلًا كلفة معيشية مرتفعة، لا يبقى تراجع الجنيه رقمًا على الشاشات، بل يتحول بسرعة إلى ضغط جديد على الأسعار والثقة معًا. بلغ متوسط سعر الدولار في البنك المركزي 52.52 جنيه للشراء و52.66 جنيه للبيع في 25 مارس، بينما سجل مصرف أبوظبي الإسلامي 52.77 جنيه للشراء و52.87 جنيه للبيع في تحديثه المعلن يوم 26 مارس.

 

من 47 إلى ما فوق 52

 

منذ نهاية فبراير، تحرك الدولار من حدود 47 جنيهًا إلى ما يتجاوز 52 جنيهًا في البنوك المصرية، وفق المعطيات المتداولة في السوق، مع اتساع ضغوط التخارج من السوق الثانوية للدين الحكومي المصري.

 

وفي التعاملات الأخيرة، جاء أعلى سعر معلن في بنوك أبوظبي الإسلامي وكريدي أجريكول وأبوظبي الأول قرب مستوى 52.75 جنيه للشراء و52.85 جنيه للبيع، بينما جاء أقل سعر لدى بنك الإمارات دبي الوطني عند نحو 52.43 جنيه للشراء و52.53 جنيه للبيع، في حين دارت أسعار بنوك الأهلي الكويتي و«سايب» وقناة السويس وبيت التمويل الكويتي حول 52.74 جنيه للشراء و52.84 جنيه للبيع، وسجلت بنوك الأهلي المصري والمصرف العربي والإسكندرية والمصري الخليجي نحو 52.71 جنيه للشراء و52.81 جنيه للبيع. هذا الفارق بين بنك وآخر لا يغير جوهر الصورة. السوق كلها تتحرك في اتجاه واحد. الأعلى صعودًا لا الأكثر توازنًا.

 

الخبير المصرفي محمد عبد العال لخص جوهر الأزمة حين قال إن السوق المصرية تواجه مسارين محتملين: استقرارًا محدودًا مع تذبذب متقطع، أو تصعيدًا أشمل يضغط على الجنيه بسبب خروج الأموال الساخنة إلى الملاذات الآمنة. وأضاف أن قوة الاحتياطيات ومرونة سعر الصرف تساعدان على امتصاص الصدمة، لكنهما لا تلغيانها. هذه قراءة مهمة، لأنها تضع النقاش في مكانه الحقيقي. لسنا أمام أزمة داخلية خالصة، لكننا أيضًا لسنا أمام اقتصاد محصن. أي هزة في الخارج تنتقل بسرعة إلى الجنيه لأن هيكل التمويل نفسه يظل هشًا أمام المزاج العالمي.

 

الأموال الساخنة تضرب أولًا

 

ما يحدث الآن ليس تراجعًا عشوائيًا في سعر العملة. موجة جديدة من تخارج الأموال الساخنة دفعت الجنيه إلى مستويات قياسية منخفضة في مارس، مع صعود التوترات الإقليمية وارتفاع النفط. منصة «إنتربرايز» وصفت ما جرى بأنه موجة جديدة من خروج الاستثمارات الأجنبية القصيرة الأجل من أدوات الدين المحلية، وهو توصيف ينسجم مع ما رصدته تغطيات دولية عن كون الأصول المصرية بين الأكثر تأثرًا في المنطقة منذ اندلاع الحرب. هذا يعني أن السوق ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات سريعة الدخول وسريعة الخروج، وأن أي اضطراب جيوسياسي يتحول فورًا إلى ضغط على العملة والتمويل معًا.

 

هنا تأتي ملاحظة محمد أبو باشا، رئيس البحوث في إحدى المؤسسات المالية الكبرى، باعتبارها الأكثر مباشرة. الرجل قال إن ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا سيضغط على الموازنة المصرية، ومسار التضخم، والحساب الجاري. هذه ليست ملاحظة فنية باردة. هي شرح مباشر لما يراه الناس في السوق. كل صعود في الدولار لا يقف عند حدود المصارف. هو يعيد تسعير الاستيراد، والطاقة، والنقل، ثم ينتقل إلى سلع أساسية لا يملك المواطن أي قدرة على تجنبها. لذلك يصبح الحديث عن سعر الصرف في مصر حديثًا عن المعيشة، لا عن التداول المالي فقط.

 

الأخطر أن الحرب لم تضغط فقط على شهية المستثمرين. بل فتحت أيضًا بابًا جديدًا للقلق حول سلاسل الإمداد والطاقة والشحن. هذه الضغوط تجعل التخارج أكثر إغراء للمستثمر الأجنبي، وتجعل الدفاع عن الجنيه أكثر كلفة على الدولة. ومع كل جولة توتر، ينكشف من جديد أن التعويل على الأموال الساخنة كوسيلة تمويل سريعة يترك العملة مكشوفة أمام أي نزاع إقليمي واسع.

 

مكاسب 2025 تتآكل سريعًا

 

المفارقة أن الجنيه لم يكن داخل مسار هابط طوال الوقت. قبل الحرب، كانت هناك مؤشرات داعمة تحسنت فعلًا. البنك المركزي أعلن هذا الأسبوع ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج 28.4% على أساس سنوي خلال أول 7 أشهر من السنة المالية 2025/2026 إلى 25.6 مليار دولار، كما بلغت الاحتياطيات الدولية 52.7 مليار دولار بنهاية فبراير. هذه الأرقام تشرح لماذا بدا الجنيه أكثر تماسكا في مطلع العام، ولماذا ساد انطباع بأن السوق استعادت بعض السيولة والتنفس. لكن ما كشفته الحرب هو أن التحسن القائم لا يكفي وحده حين تبقى مصادر الضغط الخارجي أقوى وأسرع.

 

وهنا تبدو ملاحظة خالد عظيم من المجلس الأطلسي شديدة الدلالة. فهو يرى أن مصر، بحكم حجمها وتشابكها المالي وحساسيتها لأسعار النفط والسياحة والتحويلات، قد تتحول سريعًا إلى إشارة مبكرة على اتساع عدم الاستقرار المالي في المنطقة إذا تشددت ظروف التمويل أو تفاقمت الصدمات الخارجية. هذا الرأي لا يتحدث عن مصر كحالة منفصلة، بل كنقطة ضعف إقليمية واضحة. أي أن تراجع الجنيه لا يعبّر فقط عن مشكلة سعر صرف، بل عن انكشاف نموذج اقتصادي كامل أمام الخارج.

 

وختاما فصعود الدولار نحو 53 جنيهًا ليس مجرد نتيجة للحرب على إيران. الحرب كانت الشرارة. أما القابلية للاشتعال فكانت موجودة أصلًا. الجنيه استفاد قبلها من تحويلات قوية وسيولة أفضل واحتياطي أكبر، لكن كل ذلك لم يمنع عودة الضغط سريعًا مع أول موجة تخارج حادة. وفي مصر، هذه هي المشكلة التي تتكرر: تحسن قصير الأجل، ثم صدمة خارجية تكشف أن الأساس ما زال ضعيفًا. والنتيجة يدفعها الناس في النهاية، لا شاشات البنوك.