اختارت هيئة قناة السويس توقيتًا شديد الحساسية لرفع رسوم جمع وإدارة المخلفات الصلبة على السفن، بقرار يبدأ تطبيقه في 15 أبريل، بينما سوق الشحن العالمي يعيش واحدة من أكثر لحظاته اضطرابًا منذ سنوات.
الهيئة تطرح القرار باعتباره جزءًا من خطة التحول إلى قناة صديقة للبيئة، لكن الوقائع تقول إن الزيادة تأتي في لحظة تتضخم فيها كلفة النقل والتأمين والوقود، وتتراجع فيها قدرة الخطوط الملاحية على تحمل أي أعباء إضافية.
هنا لا يبدو القرار تطويرًا فنيًا فقط. يبدو أيضًا محاولة مكشوفة لانتزاع إيراد إضافي من مرفق يخسر أصلًا جزءًا كبيرًا من ميزته التنافسية.
رسوم جديدة في توقيت يضغط على كل سفينة
المنشور الدوري رقم 2 لسنة 2026 الصادر في 24 مارس عدل رسوم الخدمة الإلزامية لجمع وإدارة المخلفات الصلبة، فارتفعت مثلًا إلى 235 دولارًا للسفن حتى حمولة 10000 طن صافي، و825 دولارًا حتى 40000 طن، و1120 دولارًا حتى 70000 طن، و1410 دولارًا لما فوق 70000 طن، على أن يبدأ التطبيق من 15 أبريل.
هذه ليست مجرد مراجعة هامشية. هي زيادة واضحة في خدمة تفرض على السفن العابرة ضمن منظومة العبور نفسها.
وبالمقارنة مع الرسوم التي طُبقت في 2025، والتي بدأت من 200 دولار ووصلت إلى 1200 دولار في الشرائح الأعلى، فإن الاتجاه صريح: رفع المقابل المالي للخدمات المصاحبة للعبور في وقت تتآكل فيه شهية السوق لأي كلفة جديدة.
الهيئة تسوق القرار تحت عنوان الاستدامة البيئية والتحول إلى “قناة خضراء” بحلول 2030، وهو عنوان له وجاهته من حيث المبدأ. لكن المشكلة ليست في المبدأ. المشكلة في التوقيت وفي طريقة التسعير.
الخدمة لم تعد مجرد عرض اختياري يحفز السفن على استخدام مرفق أفضل، بل أصبحت عبئًا إلزاميًا على سفن تمر أصلًا بسوق مرتبك ومحمّل برسوم حرب ومخاطر تأمين ومسارات بديلة أطول.
الخبير الأممي يان هوفمان، رئيس فرع لوجستيات التجارة في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، كان قد حذر من أن اضطراب الممرات البحرية يعيد تشكيل خريطة التجارة ويرفع كلفة الطاقة والغذاء ويغذي التضخم.
هذا التحذير يضع قرار الهيئة في مكانه الحقيقي: زيادة محلية فوق أزمة عالمية مفتوحة.
اضطراب هرمز يرفع الكلفة والهيئة تضيف فاتورة جديدة
الأزمة لم تعد محصورة في البحر الأحمر فقط.
تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لعام 2025 أشار إلى أن مضيق هرمز يمر عبره نحو 11% من التجارة العالمية ونحو ثلث تجارة النفط البحرية، مع تصاعد مخاطر التعطل فيه، بينما ظل حجم العبور في قناة السويس بحلول مايو 2025 أقل بنحو 70% من مستويات 2023.
وفي مارس 2026 أعلنت “ميرسك” تعليق جميع الحجوزات من وإلى عدد من موانئ الخليج، وفرضت رسوم شحن طارئة وصلت إلى 1800 دولار للحاوية 20 قدمًا و3000 دولار للحاوية 40 قدمًا، إضافة إلى رسم وقود طارئ عالمي بدأ تطبيقه من 25 مارس.
المعنى بسيط: السوق يدفع أصلًا فاتورة أزمة أمنية مفتوحة، ثم تأتي القناة لتضيف عليها فاتورة خدمة إلزامية جديدة.
هذا الضغط المتراكم لا يمكن فصله عن القفزة في تكاليف التأمين والمخاطر.
تقارير حديثة أشارت إلى أن أقساط تأمين الحرب على السفن في الخليج قفزت من مستويات تقارب 0.25% في الظروف الطبيعية إلى ما بين 5% و10% من قيمة السفينة في بعض الحالات، مع بقاء نحو 1000 سفينة عالقة أو مترددة بسبب المخاطر.
هنا تتضح الصورة أكثر: الخطوط الملاحية لا تتعامل مع بند خدمة منفصل، بل مع مجموع تكاليف يحدد قرار المسار كله.
بيتر ساند، كبير محللي “زينيـتا”، وصف صراع البحر الأحمر بأنه “أطول ظل” على الشحن البحري، مؤكدًا أن أي تغير في الممرات يترك أثرًا ضخمًا على الأسعار والقدرة المتاحة.
وإذا كان هذا هو تقدير السوق العالمي، فإن تجاهله في تسعير خدمات القناة ليس إدارة ذكية للأزمة. هو إنكار لمعادلة السوق نفسها.
بين خصومات الأمس ورسوم اليوم
المفارقة أن الهيئة نفسها لجأت قبل أقل من عام إلى سياسة معاكسة تمامًا.
ففي 13 مايو 2025 أعلنت خصمًا بنسبة 15% لسفن الحاويات الكبيرة لمدة 90 يومًا، وقالت صراحة إن الهدف هو تشجيع الخطوط الملاحية الكبرى على العودة إلى العبور عبر القناة في ظل تحسن الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب.
هذا اعتراف رسمي بأن الحساسية السعرية موجودة، وأن الحوافز قد تكون ضرورية لاستعادة الحركة.
لذلك يصبح السؤال مشروعًا: ما الذي تغيّر الآن حتى تنتقل الهيئة من منطق التحفيز إلى منطق التحصيل، رغم أن البيئة التشغيلية الحالية أكثر هشاشة لا أقل هشاشة؟
التاريخ القريب لا يرحم هذا النوع من القرارات.
الهيئة أعلنت أن إيرادات القناة هبطت إلى 3.991 مليار دولار في 2024 مقابل 10.25 مليار دولار في 2023، بينما تحدثت الدولة نفسها عن خسائر شهرية تقارب 800 مليون دولار بسبب اضطراب المنطقة.
كما أوضحت تقارير الأمم المتحدة أن تراجع العبور في القناة ترافق مع قفزة حادة في استخدام طريق رأس الرجاء الصالح وارتفاع واضح في أزمنة الرحلات والتكاليف والانبعاثات.
هنا يصبح أي رسم إضافي، حتى لو قُدِّم باعتباره “خدمة جانبية”، عنصرًا مرجحًا في قرار بعض الشركات بمواصلة الابتعاد عن القناة بدل المجازفة بالعودة إليها.
الخبير البحري لارس ينسن، الرئيس التنفيذي لـ“فيسبوتشي ماريتايم”، حذر منذ وقت مبكر من أن عودة الحركة إلى مسار القناة ليست “حلًا سحريًا”، لأن شركات الشحن تبحث أولًا عن الاستقرار لا عن مجرد قصر المسافة. وهو تقدير يفسر سلوك السوق الآن.
الشركات لا تقارن فقط بين زمن العبور في السويس ورأس الرجاء الصالح، بل تقارن بين مجموع المخاطر والرسوم والقدرة على التخطيط. حين تصبح الرسالة الصادرة من القناة هي رفع كلفة الخدمات في ذروة الاضطراب، فإن ذلك يضعف حجة العودة ولا يقويها.
المحصلة أن الهيئة قد تحصل على دخل إضافي محدود على المدى القصير من بند خدمة جديد أو أعلى سعرًا.
لكن هذا المكسب السريع قد يأتي على حساب ما هو أخطر: عدد أقل من السفن، مسارات بديلة أكثر جاذبية، وتآكل إضافي في صورة القناة كممر يراعي ظرف السوق حين يختنق العالم.
في لحظة كهذه، الرسالة الأهم كان يفترض أن تكون تخفيض الكلفة وتثبيت الثقة.
ما حدث هو العكس تمامًا. والقناة التي تخسر تنافسيتها لا تنقذها رسوم أعلى، حتى لو رُفعت تحت لافتة خضراء.

