أعاد فيلم السلم والثعبان 2 فتح ملف قديم يتكرر كل موسم: كيف تمر أعمال مثيرة للجدل من بوابة الرقابة، ثم تتحول بعد العرض إلى أزمة عامة تتسع من المنصات إلى البلاغات ثم إلى المؤسسات الرسمية.

الفيلم، الذي عُرض رقميًا على يانغو بلاي مع موسم عيد الفطر، لم يواجه فقط غضبًا شعبيًا واسعًا بسبب ما اعتبره كثيرون مشاهد وإيحاءات غير مناسبة، بل فتح أيضًا صدامًا مباشرًا مع مصر للطيران بعد اعتراضها على استخدام زي الضيافة الجوية في مشهد قالت الشركة إنه مسيء ويضر بصورتها وسمعتها.

كما تجددت معه اتهامات أوسع للرقابة بازدواجية المعايير، خصوصًا مع مقارنة متداولة بين التشدد مع صناع محتوى أفراد والتساهل مع أعمال فنية كبيرة الإنتاج.

 

غضب شعبي يتجاوز الفيلم إلى سؤال الرقابة

 

الجدل لم يبدأ من نقاد السينما ولا من صناع الفن. بدأ من الجمهور. وعلى منصات التواصل خرجت تعليقات غاضبة تتهم الفيلم بالإسفاف، وبتمرير رسائل تعتبرها قطاعات من المشاهدين عدوانًا على قيم الأسرة.

وكتب حساب يتحدث باسم الحج محمد أن الفيلم، في نظره، يعبر عن المناخ الذي أنتجته السلطة الحالية، لا عن المجتمع المصري.

 

 

وكتب حساب عمر المختار أن ما جرى يطرح سؤالًا مباشرًا عن دور الرقابة، وهل منحت العمل إجازة عرض فعلية أم أنها غابت بالكامل عن المشهد.

 

 

كما هاجم حساب مراد الفيلم بألفاظ غاضبة، معتبرًا أن ما عُرض يمثل إفسادًا متعمدًا لأخلاق جيل كامل، وأن الضرر لا يتوقف عند الترفيه بل يمتد إلى المجال الاجتماعي والتربوي.

 

 

الناقد الفني محمد شوقي يرى أن وجود الرقابة يظل ضروريًا بوصفها سقفًا منظمًا للعرض العام، لا أداة خنق للإبداع ولا جهة غائبة عنه، وهو رأي مهم هنا لأن الأزمة انفجرت تحديدًا من الشعور بأن الرقابة حاضرة على الورق وغائبة في الاختبار العملي.

وفي المقابل قال الناقد طارق الشناوي إن فكرة الرقابة بصيغتها القديمة لم تعد مناسبة للعصر الحالي، وإنها لا تستطيع ضبط الفن ولا يجب أن تتحول إلى مقصلة للإبداع.

بين الرأيين تبدو الدولة متخبطة: لا هي وضعت معايير واضحة، ولا هي التزمت بخط واحد يمكن مساءلتها عليه.

 

وكتب حساب إبراهيم يوسف أن تمرير مشهد اعتبره موحيًا بالخيانة الزوجية يثبت، من وجهة نظره، فشلًا جديدًا للرقابة، وربط ذلك بما يراه تساهلًا متكررًا مع أعمال رمضانية سابقة.

 

 

كما اختصر حساب منصور موقفه بهجوم حاد على ما يراه انحدارًا مستمرًا في المعروض خلال رمضان والعيد، بما يعكس أن الأزمة لم تُفهم كحادثة منفصلة بل كامتداد لمسار قائم.

 

 

بلاغات قانونية واتهامات بتعمد الصدمة

 

مع تصاعد الغضب، انتقلت الأزمة من التداول إلى المسار القانوني.

المتداول أن المحامية أسماء صلاح تقدمت ببلاغ ضد صناع العمل، معتبرة أن الفيلم يتضمن مشاهد إيحائية وظهورًا غير لائق يهدد استقرار الأسرة ويطبع سلوكيات مرفوضة اجتماعيًا.

وفي تغطيات منشورة تأكد أيضًا اتجاه بلاغات قانونية أخرى ضد صناع الفيلم بعد العرض الرقمي، وهو ما يعكس أن المسألة خرجت من إطار الجدل الأخلاقي إلى محاولة مساءلة رسمية لصناع العمل.

 

وكتب حساب أكرم عامر دعوة مباشرة للأسر بعدم السماح للأطفال بمشاهدة ما سماه أفلام ومسلسلات السلطة، في صياغة تربط بين المحتوى المعروض والسياسة الثقافية السائدة.

 

 

كما كتب حساب المشاهد أن الفيلم يستحق التحقيق، متسائلًا عن سبب تشدد خطاب "قيم الأسرة" مع بعض صناع المحتوى الرقمي، بينما يخف الضغط نفسه على الفنانين والأعمال الكبيرة.

 

 

وكتب حساب أحمد أيمن أن ما يجري يعني، في رأيه، سقوطًا جديدًا لقيم المجتمع في المجال العام، وهي صياغة مكثفة تلخص مزاجًا واسعًا من الغضب لا مجرد اعتراض فردي.

 

 

هنا يبرز رأي الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي، الذي قال إن الدراما المصرية صنعت، عبر عقود، تصورات غير واقعية عن الحياة والزواج، وإن هذا النوع من المحتوى يؤثر في استقرار الأسرة ويزيد الفجوة بين الواقع والصورة المعروضة.

هذا الرأي لا يحسم الجدل لصالح المنع، لكنه يضع الأزمة في سياق اجتماعي أوسع: حين يتحول السوق إلى معيار惟، تصبح الصدمة وسيلة بيع، لا مجرد خيار فني.

 

مصر للطيران تدخل الأزمة وتفضح كلفة العبث المؤسسي

 

الأزمة لم تتوقف عند البلاغات والغضب الشعبي.

مصر للطيران دخلت على الخط ببيان رسمي أعلنت فيه رفضها القاطع لاستخدام الزي الرسمي لأطقم الضيافة الجوية في مشهد اعتبرته غير لائق، وقالت إنها تدرس اتخاذ الإجراءات القانونية، كما شددت على ضرورة الرجوع إلى الشركة قبل استخدام اسمها أو علامتها التجارية أو زيها الرسمي في أي عمل فني أو إعلامي.

البيان كان واضحًا: المسألة لم تعد فقط خلافًا على مضمون فيلم، بل ضررًا مباشرًا بصورة مؤسسة وطنية عمرها أكثر من 90 عامًا.

 

وكتب حساب محمد علوان أن الفيلم لا يقدم جديدًا على مستوى الفكرة، بل يعيد تدوير حكاية بسيطة داخل صورة لامعة مع إيحاءات قديمة وبارات عصرية، في نقد يضرب البنية الفنية نفسها لا الضجة المحيطة بها فقط.

 

 

كما كتبت ميري يونس أن خطاب "قيم المجتمع" يبدو انتقائيًا، لأن القبض والملاحقة يطاولان شخصيات من فضاء المنصات، بينما تمر أعمال مصنفة للكبار بدرجة أعلى من التسامح.

 

 

وكتب محمد العطار أن الفيلم لا يمثل سوى شريحة محدودة من المجتمع، وأن تحويل أزمة زواج أو رغبة أو ملل إلى مادة قائمة على الإيحاءات والإسفاف لا يصنع فنًا بل يوسع الفجوة بين ما يُعرض وما يعيشه أغلب الناس.

 

 

الثابت حتى الآن أن الفيلم من بطولة عمرو يوسف وأسماء جلال وظافر العابدين وماجد المصري وحاتم صلاح وفدوى عابد وسوسن بدر، ومن تأليف أحمد حسني وإخراج طارق العريان وإنتاج موسى عيسى.

والثابت أيضًا أن الأزمة لم تعد تخص فيلمًا واحدًا. هي أزمة معايير. أزمة رقابة. أزمة سوق يراهن على الاستفزاز. وأزمة سلطة تريد أن تبدو محافظة حين تريد، ثم تختفي حين يصل الدور إلى صناعة كبيرة أو منصة كبيرة أو اسم كبير.