في أول يوم عمل للبنوك بعد إجازة عيد الفطر، عاد الدولار ليفتح الجرح نفسه. صعود سريع. وشبه جماعي. وزيادة لامست 30 قرشًا في عدد من أكبر البنوك العاملة في السوق. الحركة لم تكن تفصيلًا مصرفيًا عابرًا.
كانت إشارة مباشرة إلى هشاشة الجنيه أمام أي صدمة إقليمية جديدة، بعد أسابيع من التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وخروج ضغوطها إلى سوق الصرف المحلية.
وكانت البنوك قد أنهت عطلة العيد على مستويات أقل، بينما أظهرت بيانات سابقة للبنك المركزي أن سعر الدولار في 1 مارس دار قرب 48.68 جنيه للشراء و48.82 جنيه للبيع، قبل أن تقفز المستويات لاحقًا إلى ما فوق 52 جنيهًا خلال مارس.
الصورة في شاشات الأسعار كانت واضحة.
في البنك الأهلي المصري صعد الدولار 28 قرشًا إلى 52.57 جنيه للشراء و52.67 جنيه للبيع، مقابل 52.29 و52.39 قبل العطلة.
وفي بنك مصر ارتفع 30 قرشًا إلى 52.59 و52.69.
وفي البنك التجاري الدولي وبنك الإسكندرية زاد 31 قرشًا إلى 52.60 و52.70.
وفي بنك قناة السويس ارتفع 28 قرشًا إلى 52.61 و52.71، مقابل 52.33 و52.43.
وفي بنك البركة صعد 31 قرشًا إلى 52.56 و52.66، مقابل 52.25 و52.35.
وسجل كريدي أجريكول 52.61 و52.71 بعد زيادة 32 قرشًا.
أما مصرف أبوظبي الإسلامي فارتفع فيه الدولار 23 قرشًا إلى 52.56 و52.66، مقابل 52.33 و52.43.
هذه ليست حركة متفرقة. هذا ارتفاع واسع النطاق في يوم واحد، بعد عطلة قصيرة فقط.
قفزة جماعية تكشف اتساع الضغط
المسألة هنا ليست أن الدولار ارتفع في بنك أو اثنين. المسألة أنه تحرك في البنوك الحكومية والخاصة معًا، وبفروق متقاربة، بما يعكس ضغطًا عامًا على الجنيه لا مجرد تعديل سعري محدود. قبل أيام العطلة، استقر متوسط السعر في البنك المركزي عند 52.29 جنيه للشراء و52.42 جنيه للبيع، بينما سجل الأهلي ومصر والتجاري الدولي 52.29 و52.39 تقريبًا. ثم جاء أول يوم عمل بعد الإجازة بقفزة جديدة فوق هذه المستويات، بما يعني أن العطلة لم تهدئ السوق، بل أجّلت الانعكاس فقط.
وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء، وصف الارتفاعات السابقة للدولار في ظل الحرب الإقليمية بأنها نتيجة “طبيعية ومبررة” مع صعود تكاليف الطاقة والغذاء والنقل ومدخلات الإنتاج. الأهم في حديثه أنه ربط المشهد كله بمرونة سعر الصرف، معتبرًا أن أي محاولة لتحديد سقف حاسم لتحرك الدولار تصبح أقرب إلى التخمين ما دامت الحرب وأسعار الطاقة مفتوحة على احتمالات واسعة. المعنى السياسي والاقتصادي هنا مباشر: السوق يتحرك، والدولة تترك الجنيه لامتصاص الصدمة بدلًا من استنزاف الاحتياطي في الدفاع عنه.
من 48.70 إلى ما فوق 52.. خسارة الجنيه لم تعد هامشية
الأرقام منذ بداية مارس تشرح حجم التدهور أكثر من أي خطاب رسمي. إذا قورن مستوى ما بعد العيد بسعر إغلاق 1 مارس عند نحو 48.70 جنيه للشراء و48.80 جنيه للبيع، فإن الجنيه يكون قد فقد قرابة 5 جنيهات أمام الدولار، أي نحو 7.3% في فترة قصيرة. وبعض التغطيات الاقتصادية رصدت أن التراجع بلغ نحو 9% خلال الأيام الأولى من انفجار الحرب الأمريكية الإيرانية، مع تجاوز الدولار مستوى 52.83 جنيه في بعض التعاملات. هذه ليست اهتزازات يومية معتادة. هذه موجة خفض فعلية في قيمة العملة المحلية تحت ضغط جيوسياسي وتمويلي متزامن.
وائل النحاس، المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، يضع الإصبع على عقدة أوسع من عنوان الحرب وحده. فهو يرى أن صعود الدولار كان متوقعًا أصلًا بين فبراير وأكتوبر بسبب استحقاقات أدوات الدين على الدولة المصرية، واقتراب انتهاء برنامج صندوق النقد، واحتمالات سحب استثمارات أجنبية من أدوات الدين المحلية. الحرب، وفق هذا المنطق، لم تخلق الأزمة من الصفر. هي فقط سرعت مسارًا كان قائمًا بالفعل. لذلك يصبح ارتفاع الدولار بعد العيد حلقة جديدة في سلسلة ضغط ممتدة، لا حادثًا طارئًا منفصلًا.
فاتورة الصعود تتجاوز شاشة البنوك
الأثر لا يتوقف عند سعر الصرف نفسه. كل ارتفاع جديد للدولار يفتح الباب على تكلفة استيراد أعلى، وضغوط تضخمية أوسع، ومخاوف أكبر على موارد النقد الأجنبي. حنان رمسيس ربطت في تصريحات منشورة بين الحرب في المنطقة وبين تضرر الملاحة في قناة السويس، واحتمال تراجع السياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين بالخارج إذا امتد الاضطراب إلى الخليج. هذه ثلاثة شرايين دولارية حساسة للاقتصاد المصري. وإذا تعرضت معًا للضغط، فلن يكون تحرك الدولار في البنوك هو الخبر الأسوأ، بل ما سيأتي بعده في الأسعار والميزان الخارجي.
وليد عادل، الخبير المصرفي، قدّم زاوية أكثر مباشرة على ما ينتظر السوق. فهو يرى أن عودة الدولار إلى ما دون 50 جنيهًا مشروطة بتهدئة التوترات الجيوسياسية وعودة الاستثمارات الأجنبية، بينما استمرار التصعيد قد يدفعه إلى 55 جنيهًا كمرحلة أولى. هذا التقدير لا يجب التعامل معه كتنبؤ جامد، لكنه يكشف شيئًا أساسيًا: الجنيه لم يعد يتحرك وفق عوامل محلية فقط، بل صار مربوطًا بصورة يومية بتطورات الإقليم، وبمدى قدرة الدولة على تعويض أي نزيف محتمل في التدفقات الدولارية.
الخلاصة أن مستهل العمل المصرفي بعد عيد الفطر لم يحمل مجرد زيادة 23 أو 28 أو 31 قرشًا هنا وهناك. حمل رسالة أوضح. الجنيه لا يزال في منطقة ضعف مكشوفة. والبنوك تعكس ذلك فورًا عندما تتصاعد المخاطر. ما جرى بعد العيد ليس مفاجأة كاملة. لكنه تأكيد جديد على أن الاقتصاد يدفع كلفة حرب لا تقع على حدوده فقط، بل تتسلل إلى سعر العملة، وتكلفة الاستيراد، وثقة المستثمر، ومعيشة الناس في النهاية.

