دخلت سوق العقارات في مصر مرحلة أكثر قسوة خلال مارس 2026. الضغوط لم تعد ناتجة عن عامل واحد. الدولار صعد من مستويات دارت حول 46.8 جنيه للبيع في فبراير إلى أكثر من 52.3 جنيه للبيع في مارس. الوقود تحرك رسميًا بزيادة 3 جنيهات للتر في البنزين والسولار. وإمدادات الغاز القادمة من إسرائيل تعرضت للتوقف من حقلي تمار وليفياثان. النتيجة ظهرت سريعًا داخل السوق: تكلفة بناء أعلى. تسعير مرتبك. وشركات تطوير بدأت ترفع الأسعار أو تستبدل الزيادة المباشرة بحوافز سداد خوفًا من تباطؤ المبيعات.

 

الدولار والوقود يضربان تكلفة البناء من أول السلسلة

 

خلال الأسابيع الأخيرة، قفز سعر الدولار من نطاق 46 جنيهًا في فبراير إلى ما بين 52.29 و52.42 جنيه للبيع في تعاملات الثلاثاء 24 مارس 2026. هذا التحرك لم يبقَ في شاشات البنوك. انتقل مباشرة إلى تكلفة الحديد والكيماويات ومواد التشطيب، بحكم اعتماد قطاع التشييد على مدخلات مستوردة أو مسعرة على أساس الدولار. ومع كل قفزة في سعر الصرف، ترتفع تكلفة التنفيذ قبل أن يصل المشروع إلى مرحلة التسليم أو حتى التسويق.

 

الضغط لم يأتِ من العملة وحدها. لجنة التسعير حركت أسعار الوقود في 10 مارس، فارتفع بنزين 95 من 21 إلى 24 جنيهًا، وبنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيهًا، وبنزين 80 من 17.75 إلى 20.75 جنيهًا، والسولار من 17.5 إلى 20.5 جنيهًا. هذه الزيادة أصابت قلب عملية البناء: نقل الخامات، تشغيل المعدات الثقيلة، حركة الشحن داخل وخارج المواقع، وكل بند لوجستي يتعلق بالتنفيذ.

 

محمد سامي سعد، رئيس الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء، قال إن أسعار مواد البناء مرشحة للارتفاع بين 5% و10% على المدى القصير، خاصة الحديد والأسمنت، بفعل ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن عالميًا. وفي تصريح آخر، قدر زيادة تكلفة تنفيذ المشروعات بنسب تتراوح بين 15% و20% تأثرًا بارتفاع أسعار الطاقة، مؤكدًا أن الصراعات العالمية تضغط على أسعار الخامات ومدخلات البناء مباشرة. هذا الكلام يضع السوق أمام واقع واضح: أي مشروع قائم أصبح مهددًا بإعادة تسعير، وأي طرح جديد سيخرج بتكلفة أعلى من حسابات بداية العام.

 

الغاز والشحن والتأمين.. فاتورة إضافية على سوق منهك أصلًا

 

التطور الأخطر جاء من ملف الطاقة. إسرائيل أوقفت مؤقتًا الإنتاج في حقل ليفياثان، وهو أحد المصادر الرئيسية لتصدير الغاز إلى مصر والأردن. وبالتوازي، نقلت “الشرق” عن مسؤول حكومي مصري أن ضخ نحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا من الغاز الإسرائيلي إلى مصر توقف من حقلي تمار وليفياثان. هذا ليس خبر طاقة منفصلًا عن العقار. هذه زيادة جديدة في تكلفة الكهرباء والطاقة المستخدمة داخل قطاعات الإنتاج والإنشاء، فوق ضغط الدولار والوقود في الأصل.

 

هذه التطورات جاءت بينما الاقتصاد المصري لا يزال يتعامل مع تداعيات أزمات سابقة أصابت مصادر النقد الأجنبي، وفي مقدمتها تراجع إيرادات قناة السويس، وهو ما يزيد حساسية السوق لأي صدمة خارجية جديدة. الخبير الاقتصادي رشاد عبده قال إن الاقتصاد المصري سيكون من أكبر الخاسرين إذا استمرت الحرب واتسع نطاقها، لاعتماده على استقرار أسعار السلع الأساسية والغاز ومنتجات البترول ومستلزمات الإنتاج المستوردة، في وقت تعتمد فيه تدفقات النقد الأجنبي على قناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج والأموال الساخنة. المعنى هنا مباشر: سوق البناء لا يتحمل رفاهية صدمة جديدة، لكنه يتلقاها الآن كاملة.

 

انعكاس ذلك على العقارات كان سريعًا. بعض شركات التطوير اتجهت إلى رفع أسعار الوحدات بنسبة تصل إلى 10% خلال مارس 2026 لتعويض الزيادات في التكاليف. التحرك هنا لا يبدو قرارًا تسويقيًا عابرًا، بل استجابة دفاعية من شركات تحاول اللحاق بفاتورة تنفيذ تتغير أسبوعًا بعد آخر. وإذا استمرت هذه الضغوط، فإن التأجيل وإعادة النظر في خطط الاستثمار والطرح سيصبحان خيارًا مطروحًا بقوة داخل القطاع، كما حذر محمد سامي سعد.

 

الشركات ترفع أو تناور.. والمبيعات مرشحة للتباطؤ

 

في مواجهة هذه الموجة، لم تلجأ كل الشركات إلى الرفع الحاد والمباشر. بعض المطورين اختاروا مسارًا آخر: تسهيلات سداد أطول، وحوافز بيعية، وتخفيف الصدمة على العميل بدلًا من إعلان زيادات كبيرة دفعة واحدة. الخبير العقاري محمود داوود قال إن تأثير ارتفاع الطاقة والشحن بدأ يظهر بالفعل في قرارات التسعير، موضحًا أن بعض الشركات لجأت إلى هذه الأدوات لتجنب تكرار موجة الزيادات الكبيرة التي ضربت السوق في نهاية 2023 وبداية 2024. هذا يعني أن الزيادة موجودة، لكنها قد تظهر أحيانًا في شروط البيع لا في السعر المعلن فقط.

 

في الوقت نفسه، لا تبدو صورة الطلب مريحة. هناك من يرى أن العقار المصري قد يستفيد جزئيًا من اهتمام مستثمرين أجانب، خاصة من دول الخليج، باعتباره ملاذًا استثماريًا في مناخ إقليمي مضطرب. لكن هذا العامل لا يلغي خطر تباطؤ المبيعات محليًا، ولا يعوض تراجع بعض مشتريات المصريين العاملين بالخارج إذا استمرت صعوبات التحويلات وتأخر العودة. السوق هنا يقف بين قوتين متضادتين: عقار يُنظر إليه كمخزن قيمة مع ضعف الجنيه، وقدرة شرائية تتراجع تحت ضغط الأسعار.

 

السيناريو الأرجح خلال 2026 صار أكثر وضوحًا. زيادات تدريجية في الأسعار. بطء أكبر في حركة البيع. وشركات تعيد حساباتها مرة بعد مرة. صحيح أن العقار يظل أحد أهم أوعية الادخار في مصر، لكن ذلك لا يمنع الحقيقة الأساسية الآن: السوق تحت ضغط عنيف، والغلاء لم يعد احتمالًا قادمًا، بل مسارًا بدأ بالفعل ويُعاد تمريره من الدولار والطاقة والغاز إلى سعر الوحدة النهائية.