شهدت الضفة الغربية فجر الأحد تصعيدًا لافتًا، مع حملة اعتقالات إسرائيلية واسعة تزامنت مع هجمات نفذها مستوطنون على عدة قرى، في مشهد يعكس نمطًا متكررًا من التنسيق الميداني بين الجيش والمستوطنين. التطورات الأخيرة تأتي في سياق تصاعدي مستمر منذ بداية 2026، وسط تحذيرات من تكريس واقع ميداني جديد.
اقتحامات واعتقالات متزامنة مع عنف المستوطنين
نفذت قوات الاحتلال حملة اعتقالات طالت 8 فلسطينيين، بينهم طفلان، بعد اقتحام منازل في مناطق متفرقة من الضفة الغربية، مع تخريب محتوياتها والاعتداء على السكان. في بلدة تقوع جنوب شرق بيت لحم، اعتُقل 4 مواطنين من عائلة واحدة، بينهم أب وابنه وشقيقاه، بعد مداهمة منازلهم وتفتيشها.
وفي بيت أمر شمال الخليل، داهمت القوات عدة منازل، وعبثت بمحتوياتها، وأجرت تحقيقات ميدانية مع السكان. خلال ذلك، تعرض ناصر عايش اخليل (60 عامًا) للضرب أمام أسرته، كما تم اعتقال طفلين يبلغان 16 عامًا. وفي دير نظام شمال غرب رام الله، اعتُقل الفتى معاذ أحمد التميمي بعد اقتحام منزله.
بالتوازي، هاجم عشرات المستوطنين قرية جالود جنوب نابلس، تحت حماية قوات الاحتلال، وأحرقوا منازل ومركبات ومبنى المجلس القروي، ما أدى إلى إصابة 3 شبان نقلوا إلى مستشفيات نابلس. امتدت الاعتداءات إلى مناطق في جنين ونابلس، مع تسجيل حوادث حرق وتخريب وإصابات.
يرى الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة أن “تزامن الاقتحامات مع هجمات المستوطنين ليس عشوائيًا، بل يعكس نمطًا من التنسيق غير المعلن، يهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني ميدانيًا”، مشيرًا إلى أن هذا الأسلوب “يعيد إنتاج سياسة الضغط المركب على السكان”.
وجاءت هذه الهجمات عقب دعوات أطلقتها صفحات تابعة للمستوطنين لتنظيم مسيرات مساء السبت، على خلفية مقتل مستوطن وإصابة آخر في حادث انقلاب مركبة مسروقة من بلدة بيت إمرين شمال نابلس، وفق المركز الفلسطيني للإعلام.
تصاعد الانتهاكات واستهداف متزايد للأطفال
تأتي هذه التطورات ضمن سياق تصعيد مستمر لعمليات الاقتحام والاعتقال في الضفة الغربية، مع تسجيل تزايد ملحوظ في استهداف الأطفال خلال المداهمات الليلية، وهو ما يعكس تغيرًا في طبيعة العمليات الميدانية.
ووفق بيانات المركز الفلسطيني للإعلام، تم تسجيل نحو 1965 اعتداء خلال فبراير الماضي، شملت اعتداءات جسدية، واقتلاع أشجار، وحرق أراضٍ، والاستيلاء على ممتلكات، إلى جانب هدم منازل ومنشآت.
كما أظهرت البيانات ارتفاع اعتداءات المستوطنين بأكثر من 25% منذ اندلاع الحرب على إيران، ما أسفر عن مقتل 8 فلسطينيين في حوادث متفرقة. هذا التصاعد يعكس انتقالًا من اعتداءات متفرقة إلى نمط أكثر انتظامًا.
ووثق مركز معلومات فلسطين “معطى” 18595 انتهاكًا منذ بداية 2026، أسفرت عن مقتل 34 فلسطينيًا وإصابة المئات، مع تنوع الانتهاكات بين اقتحامات واعتقالات واعتداءات ميدانية مباشرة.
يقول الإعلامي نظام المهداوي إن “الأرقام تعكس سياسة ممنهجة وليست مجرد ردود أفعال”، مضيفًا أن “تصاعد استهداف الأطفال يحمل دلالات خطيرة تتعلق بمحاولة كسر البيئة الاجتماعية الفلسطينية على المدى الطويل”.
وأوضح مركز “معطى” أن هذه الاعتداءات تعكس سياسة تصعيدية تهدف إلى تضييق الخناق على الوجود الفلسطيني وتقويض مقومات صموده، في ظل غياب ردع دولي فعّال.
غطاء سياسي وتوسع استيطاني رغم التحذيرات
على المستوى السياسي، أدانت مصر الاعتداءات الأخيرة، ووصفتها بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي، داعية المجتمع الدولي إلى حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين، مع التأكيد على ضرورة احتواء التصعيد.
في المقابل، تواصل إسرائيل اتخاذ إجراءات لتعزيز وجودها في الضفة الغربية، من خلال قرارات صادرة عن الكابينت الأمني السياسي، تتضمن تغييرات في إدارة الأراضي، والسماح بهدم مبانٍ فلسطينية حتى في المناطق “أ”، التي تخضع نظريًا لسيطرة السلطة الفلسطينية وفق اتفاق 1995.
كما صادق الكابينت في 11 ديسمبر الماضي على خطة لإنشاء 19 مستوطنة جديدة، في خطوة وصفتها منظمات حقوقية بأنها توسع غير مسبوق في النشاط الاستيطاني، وترسيخ لسياسة فرض الأمر الواقع.
الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة، يرى أن “التوسع الاستيطاني يتكامل مع التصعيد الميداني، حيث يتم خلق بيئة طاردة للفلسطينيين عبر الضغط الأمني والاقتصادي”، مؤكدًا أن “ما يجري ليس منفصلًا بل جزء من استراتيجية متكاملة”.
ورغم تصريحات جينيفر لوسيتا، نائبة المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة، بأن الرئيس دونالد ترامب “لن يسمح بضم أي جزء من الضفة الغربية”، فإن الوقائع الميدانية تشير إلى استمرار التوسع الاستيطاني.
وكان ترامب قد وعد في سبتمبر الماضي قادة عربًا ومسلمين بعدم السماح بضم الضفة، إلا أن التطورات الحالية تعكس فجوة واضحة بين التصريحات السياسية والتحركات على الأرض.
في المحصلة، تكشف الأحداث الأخيرة عن تصعيد مركب يجمع بين العمل العسكري والاستيطاني، في ظل غطاء سياسي يسمح باستمراره. ومع غياب ضغط دولي حقيقي، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، قد تعيد تشكيل الواقع الميداني خلال الفترة المقبلة.

