لم يعد الخلاف على نظام تكليف خريجي الكليات الطبية في مصر ملفًا إداريًا أو مهنيًا فقط، بعد أن انتقل خلال أسابيع من اعتراضات نقابية ودعوى أمام القضاء الإداري إلى ملاحقات أمنية وقرارات حبس على ذمة قضية أمن دولة. جوهر الأزمة واضح، وزير الصحة خالد عبد الغفار مضى في تحويل التكليف من نظام الإلزام الشامل المطبق منذ 1974 إلى نظام يقوم على الاحتياج، وبدأ تطبيقه على دفعة 2023 من أطباء الأسنان والصيادلة والعلاج الطبيعي، رغم اعتراضات نقابية واسعة وتمسك الوزارة بأن القرار نهائي ولا رجعة فيه.
هذا التحول لم يقتصر على تقليص فرص العمل الحكومي لآلاف الخريجين، بل تزامن مع استهداف 3 من الوجوه الأكثر حضورًا في التحرك النقابي والقانوني ضد القرار، هم محمد أسامة المرشح لعضوية النقابة العامة لأطباء الأسنان، ومصطفى عرابي ممثل دفعة 2023، والصيدلي إيهاب سامح عبد الملك. وفي 9 مارس جددت نيابة أمن الدولة العليا حبسهم 15 يومًا على ذمة القضية رقم 945 لسنة 2026، بعد اتهامات من نوع الانتماء إلى تنظيم إرهابي ونشر أخبار كاذبة، وهي الاتهامات التي دفعت 16 قوة سياسية وحقوقية ونقابية إلى إدانة ما وصفته بحملة استهداف أمني ضد محتجين سلميين على قرارات مهنية تمس مستقبلهم الوظيفي.
قرار إداري فجّر الأزمة
بداية الملف كانت مع قرار وزير الصحة نقل التكليف من قاعدة التعيين الشامل إلى قاعدة الاحتياج الفعلي، بدءًا من خريجي دفعة 2023. على الأرض، ظهرت أرقام توضح حجم التقليص، إذ قالت نقابات وممثلون مهنيون إن النسب المطروحة تدور حول 45% للصيادلة و40% لأطباء الأسنان و25% للعلاج الطبيعي، بينما نقلت تغطيات صحفية عن اللجنة العليا للتكليف أن عدد المكلفين من العلاج الطبيعي اقتصر على 1366 فقط. هذه الأرقام تفسر لماذا تحولت المسألة إلى أزمة غضب داخل قطاعات كاملة من الخريجين انتظروا قرابة 3 سنوات لحسم مصيرهم ثم فوجئوا بتغيير القواعد بعد التخرج.
الدكتور هاني دنيا، نقيب الصيادلة بالغربية، وصف القرار بأنه خاطئ قانونًا، وقال إن نسب الاحتياج التي أعلنتها الوزارة تعني استبعاد أغلبية الخريجين من التكليف الحكومي رغم أن القانون 29 لسنة 1974 ينص على تكليف الخريجين خلال سنة من التخرج. واللافت أن اعتراضات النقابات لم تقتصر على المبدأ، بل شملت التوقيت وآلية التطبيق والأثر الرجعي. نقيب العلاج الطبيعي خاطب رئيس الوزراء مطالبًا بتكليف دفعة 2023 بالكامل وتأجيل نظام الاحتياج بين 3 و5 سنوات، محذرًا من أن التغيير المفاجئ بلا فترة انتقالية يهدد مستقبل آلاف الخريجين في وقت تشير فيه النقابة إلى عجز قائم في قطاعات صحية حيوية.
القبض قبل القضاء وبعده
التطور الأخطر لم يكن في القرار نفسه بل في طريقة التعامل مع الاعتراض عليه. بحسب الوقائع المعلنة من الجبهة الوطنية المصرية لحقوق الإنسان والقوى الموقعة على البيان، ألقت قوة من الأمن الوطني القبض على محمد أسامة فجر 22 فبراير من منزله في الساعة 3:30 صباحًا، قبل يوم واحد من جلسة نظر الدعوى التي أقامها أمام القضاء الإداري لإلغاء القرار. وفي اليوم التالي ألقي القبض على مصطفى عرابي من داخل سيارته في دمياط، ثم لحق به الصيدلي إيهاب سامح عبد الملك من الشرقية، بعدما كان الثلاثة ناشطين في مسارات نقابية وتضامنية وقانونية تعترض على تقليص التكليف.
هنا يتجاوز الملف مجرد نزاع إداري. المحامي الحقوقي والخبير في العدالة الجنائية عزة سليمان ترى أن نقل خلاف مهني من ساحة النقابة والقضاء إلى نيابة أمن الدولة ينسف أصل الحق في التنظيم والتقاضي، لأن استخدام اتهامات فضفاضة مثل الإرهاب والأخبار الكاذبة ضد أصحاب تحرك سلمي يخلق أثرًا ردعيًا يتجاوز المتهمين إلى كل قطاع مهني يفكر في الاعتراض. المعنى السياسي واضح، الرسالة ليست إلى 3 محتجزين فقط، بل إلى آلاف الأطباء والصيادلة بأن الطريق القانوني نفسه يمكن أن ينتهي إلى الحبس. واستناد المنظمات الحقوقية المصرية في ملفات مشابهة إلى توظيف تشريعات مكافحة الإرهاب ضد العمل السلمي يجعل هذا التخوف مؤسسًا لا إنشائيًا.
اعتراض سياسي وحقوقي على تحويل المهنة إلى ملف أمني
البيان الموقع من 16 قوة سياسية وحقوقية ونقابية لم يكتف بالمطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن المحتجزين ووقف التحقيقات ذات الطابع الأمني، بل وضع جوهر المسألة في جملة واحدة، لا لاستهداف النقابيين ولا لتحويل الدفاع عن الحق المهني إلى تهمة أمنية. القوى الموقعة، ومنها الحزب الشيوعي المصري والاشتراكيون الثوريون وحزب التحالف الشعبي وحزب العيش والحرية ومنظمات مثل الجبهة المصرية لحقوق الإنسان والمفوضية المصرية للحقوق والحريات والمنبر المصري ومركز النديم والمبادرة المصرية ودار الخدمات النقابية، اعتبرت أن ملاحقة الأطباء من منازلهم وعياداتهم بسبب الدفاع عن حق التكليف تمثل عدوانًا مباشرًا على حق العمل النقابي واللجوء إلى القضاء.
الباحث في الحق في الصحة علاء غنام يضع هذه الأزمة داخل صورة أوسع، إذ يرى أن أي تعديل في سياسات إدارة الكوادر الطبية يجب أن يُفهم ضمن تكامل النظام الصحي وضمان حق المواطنين في الرعاية، لا باعتباره مجرد ملف توزيع إداري منفصل. هذا التقدير يكتسب وزنًا خاصًا هنا، لأن الدولة تبرر القرار بالاحتياج، بينما يقول معترضون إن الاحتياج نفسه لا يمكن حسابه خارج واقع المستشفيات الجامعية ووحدات الرعاية والعجز المتكرر في بعض الخدمات. وعندما يقترن هذا الجدل المهني بحملات قبض وحبس احتياطي، فإن الرسالة العملية تصبح أن السلطة لا تريد نقاشًا حول إدارة المنظومة الصحية بقدر ما تريد إغلاقه.
الموقف السياسي لم يتوقف عند القوى اليسارية والحقوقية. ففي 2 مارس استنكر حزب الإصلاح والتنمية ما سماه التصعيد القانوني غير المبرر ضد الأطباء، وطالب بالفصل بين المطالب المهنية المشروعة وأي تكييفات أمنية أو جنائية تخرجها من سياقها الطبيعي. كما شدد الحزب على مبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية، معتبرًا أن أي تعديل في نظام التكليف يجب أن يطبق تدريجيًا على الدفعات اللاحقة لا على دفعة 2023 التي درست وتخرجت على قواعد مختلفة. هذا هو قلب القضية الآن، سلطة غيرت القواعد في منتصف الطريق، ثم تعاملت مع الاعتراض السلمي على التغيير باعتباره ملفًا أمنيًا، لا خلافًا مهنيًا يستوجب الحوار والشفافية والالتزام بالقانون.

