أخطرت شركة أوبر سائقيها في مصر بتطبيق زيادة جديدة على أسعار الرحلات في القاهرة والإسكندرية، خلال موسم الصيف، بهدف تحسين عوائد السائقين مع ارتفاع الطلب، من دون إعلان نسب الزيادة للمستخدمين بشكل تفصيلي.
وتضع الزيادة الأسر المصرية أمام عبء يومي جديد، لأن تكلفة النقل لم تعد بندا هامشيا في المعيشة، بل أصبحت جزءا من ميزانية العمل والدراسة، بينما تترك الحكومة السوق يتحرك فوق قدرة المواطنين.
زيادة بلا تفاصيل والراكب يدفع أولا
قالت أوبر في رسالة موجهة إلى السائقين إن القرار يأتي ضمن مراجعة دورية لسياسات التسعير، ويهدف إلى تعزيز فرص السائقين في تحقيق عوائد أكبر خلال الفترات التي تشهد كثافة في الطلب.
وبحسب الإخطار، تطبق الأسعار الجديدة على مختلف الخدمات المتاحة عبر التطبيق، على أن تظل تكلفة الرحلة مرتبطة بالمسافة والزمن وحجم الطلب في كل منطقة داخل القاهرة والإسكندرية.
لكن الشركة لم تعلن للمستخدمين نسب الزيادة أو تفاصيل التسعير الجديدة بشكل رسمي واضح، وهو ما يترك الراكب أمام سعر يظهر عند طلب الرحلة، من دون قدرة حقيقية على فهم مكونات الزيادة.
كما تأتي الزيادة مع بداية موسم الصيف، حيث ترتفع حركة التنقل إلى العمل والجامعات والمصايف والمناطق التجارية، ما يمنح الشركة فرصة تمرير الزيادة في وقت يصبح فيه الطلب أكثر صلابة.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن تحريك أسعار الوقود يرفع التضخم مؤقتا بنسبة قد تصل إلى 2% أو 3%، قبل امتصاص أثر الزيادة لاحقا.
وتخدم قراءة أنيس هذا المحور لأن أوبر لا تتحرك خارج موجة الأسعار، بل تنقل أثر الوقود والتشغيل إلى الراكب، في وقت لم تعد دخول الأسر قادرة على امتصاص زيادات متتالية.
لذلك يصبح إعلان أوبر عن تحسين عوائد السائقين ناقصا إذا لم يصاحبه وضوح للركاب، لأن العدالة السعرية لا تعني رفع الأجرة فقط، بل إعلان النسب ومنطق التسعير قبل التطبيق.
السائق بين الوقود والصيانة والراكب بين العجز والبدائل
تبرر شركات النقل الذكي زيادة الأسعار بارتفاع تكاليف تشغيل السيارات، من وقود وصيانة وقطع غيار وتأمين، وهي تكاليف حقيقية زادت خلال السنوات الأخيرة مع تراجع قيمة الجنيه وارتفاع أسعار الطاقة.
ويؤكد عدد من السائقين أن العمل عبر التطبيق أصبح أقل ربحية بعد زيادة المصروفات اليومية، خصوصا أن السيارة تحتاج إلى صيانة مستمرة، وأن الرحلة لا تحقق هامشا مناسبا بعد احتساب الوقود والعمولة.
غير أن الراكب لا يرى هذه الحسابات وحدها، لأنه يواجه فاتورة معيشية شاملة تشمل الغذاء والكهرباء والغاز والإيجار والمواصلات، وبالتالي تصبح كل زيادة جديدة خصما مباشرا من دخل ثابت أو متآكل.
ومن زاوية الطاقة، يرى هاني جنينة أن البترول يمثل أساس الأزمة التضخمية الأخيرة، وأن تحركات الأسعار ترتبط بالتوترات الجيوسياسية والاضطرابات اللوجستية، ما يجعل تكلفة الوقود قناة مباشرة لنقل الضغط إلى الأسعار.
وتوضح هذه القراءة أن السائق والراكب يقفان في الطرف نفسه من الأزمة، لأن كليهما يدفع أثر الوقود، لكن الشركة تملك أداة تعديل السعر، بينما لا يملك المواطن إلا تقليل الرحلات أو البحث عن بدائل.
كما أن زيادة أسعار أوبر قد تدفع مستخدمين إلى العودة لوسائل أقل تكلفة، مثل الميكروباص والمترو والأتوبيسات، رغم تراجع جودة بعضها وزحامها، خصوصا لدى العاملين الذين يستخدمون التطبيق بصورة متكررة.
وبذلك تتحول خدمات النقل الذكي من بديل يومي متاح إلى خيار انتقائي عند الضرورة، بعدما كان انتشار التطبيقات قائما على الراحة والسرعة وسهولة الوصول داخل المدن الكبرى.
النقل الذكي ينمو فوق جيوب مرهقة
يواصل قطاع النقل الذكي في مصر النمو رغم الأزمة، مدفوعا بتوسع استخدام الهواتف الذكية واعتماد سكان القاهرة والإسكندرية على التطبيقات في الرحلات اليومية، خصوصا مع ضعف انتظام بعض وسائل النقل التقليدية.
لكن هذا النمو لا يعني أن السوق صحي، لأن توسع الخدمة يحدث داخل اقتصاد تضخمي، وفي ظل غياب قواعد رقابية معلنة تلزم الشركات بالشفافية الكافية عند تعديل الأسعار أو تغيير آلية التسعير.
كما يمتد أثر زيادة أوبر إلى قطاعات أخرى تعتمد على النقل والتوصيل، لأن أي ارتفاع في تكلفة الحركة داخل المدن ينعكس على العمالة والخدمات والطلبات السريعة، ثم يظهر لاحقا في أسعار مختلفة.
وفي هذا المحور، يرى خبير الموازنات والسياسات المالية عبد النبي عبد المطلب أن الحكومة تعتمد بشكل متزايد على رفع الرسوم وبيع الأصول، بما ينقل عبء الأزمة إلى المواطن محدود الدخل.
وتساعد هذه القراءة في فهم غضب المستخدمين من زيادات النقل، لأن المواطن لا يرى أوبر وحدها، بل يرى سلسلة كاملة من قرارات وأسعار ورسوم تصب في اتجاه واحد هو جيبه.
لذلك لا يكفي أن تترك الحكومة العلاقة بين التطبيق والسائق والراكب لمنطق العرض والطلب وحده، لأن النقل خدمة أساسية في المدن الكبرى، وأي اختلال فيها يضرب العمل والتعليم والحياة اليومية.
كما تحتاج وزارة النقل وجهاز حماية المنافسة وحماية المستهلك إلى متابعة سوق النقل الذكي، ليس لتثبيت الأسعار إداريا، بل لضمان شفافية التسعير ومنع تمرير زيادات غامضة تحت عنوان المراجعة الدورية.
وفي النهاية، لا تمثل زيادة أسعار أوبر في القاهرة والإسكندرية قرارا تجاريا عاديا، بل حلقة جديدة في سلسلة تحميل المواطن كلفة الوقود والتضخم وضعف النقل العام، بينما يظل السؤال غائبا عن الجهة التي تحمي الراكب من سوق يتحرك أسرع من دخله.

