يفضحُ ما يجري الآن في سوق العقار المصري حجم الأزمة التي راكمتها الحكومة بسياسات الوقود والتكلفة وترك الأسعار نهبًا للارتباك. قرار رفع البنزين والسولار في 10 مارس لم يبق داخل محطات الوقود. انتقل فورًا إلى النقل والشحن ومدخلات البناء، ثم وصل إلى الحديد والأسمنت، ثم أصاب سوق العقارات نفسه بحالة شلل واضحة. لا بيع مستقر. لا شراء مطمئن. ولا سعر يمكن البناء عليه لأكثر من أيام قليلة. هذه ليست دورة سوق عادية. هذه سوق فقدت بوصلتها، لأن تكلفة البناء نفسها لم تعد قابلة للتوقع.
الحكومة رفعت بنزين 95 من 21 إلى 24 جنيهًا للتر، وبنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيهًا، وبنزين 80 من 17.75 إلى 20.75 جنيهًا، والسولار من 17.5 إلى 20.5 جنيهًا، كما رفعت أسطوانة البوتاجاز المنزلية من 225 إلى 275 جنيهًا. هذه الأرقام لا تعني فقط زيادة مباشرة في تكلفة النقل. تعني أيضًا رسالة فورية لكل سوق مرتبط بالحركة والإنتاج والتوزيع. والعقار في قلب هذه الدائرة، لأنه يبدأ من الشحن والطاقة، وينتهي بسعر متر لا يعرف المطور ولا المشتري أين سيستقر.
المشهد الآن ليس فقط أغلى، بل أكثر اضطرابًا. جريدة «المال» وصفت اللحظة بأنها مرحلة جديدة تحت شعار «إعادة التسعير»، مع انعكاس ارتفاعات الوقود على أعمال البناء والتكاليف والزيادة المتوقعة في الحديد والأسمنت والخامات. وحين تدخل السوق في منطق إعادة التسعير، فهذا يعني شيئًا واحدًا: العقود القديمة لم تعد كافية، والمشروعات القائمة تُراجع، والعملاء يُخطرون بفروق أسعار، والسوق كلها تتحرك على أرض رخوة.
تكلفة البناء تشتعل والسوق يفقد أي نقطة ارتكاز
أحمد الزيني، رئيس شعبة مواد البناء بغرفة القاهرة التجارية، قال بوضوح إن زيادة أسعار المحروقات وارتفاع سعر الدولار سيؤثران على أسعار جميع السلع، وليس مواد البناء فقط. وأضاف أن تكلفة النقل ارتفعت بنحو 25% بعد القرار الأخير، مع زيادة تكلفة انتقال الخامات من الموانئ إلى المصانع ثم إلى الموزعين والوكلاء. هذا ليس أثرًا هامشيًا. هذه قفزة مباشرة في شريان السوق كله. وعندما ترتفع كلفة النقل بهذا الشكل، يصبح الحديث عن ثبات الأسعار أقرب إلى الإنكار منه إلى التحليل.
الأزمة أعمق في الأسمنت تحديدًا. الزيني نفسه كان قد حذر في سبتمبر 2024 من أن أسعار الأسمنت ارتفعت بأكثر من 35% في أقل من شهرين، وربط ذلك بنقص المعروض والسماح بتخفيض الإنتاج، وقال صراحة إن هناك من يرفع الأسعار مرتين في الأسبوع. استدعاء هذه الخلفية مهم الآن، لأن السوق لم تدخل أزمة الوقود الأخيرة وهي مستقرة أصلًا. بل دخلتها وهي تحمل تاريخًا قريبًا من الاختلال والتعطيش والتلاعب، ما يجعل أي زيادة جديدة أكثر عنفًا وأسرع انتقالًا إلى العميل النهائي.
محمد سامي سعد، رئيس الاتحاد المصري لمقاولي البناء والتشييد، أكد أن أسعار مواد البناء في السوق المصرية مرشحة للارتفاع بين 5 و10% على المدى القصير، خصوصًا الحديد والأسمنت، تحت ضغط الطاقة وتكاليف الشحن العالمية. وأوضح أن نحو 60% من صناعة الأسمنت تعتمد على الغاز الطبيعي كمصدر رئيسي للطاقة، ما يجعل أي زيادة في تكلفة الطاقة تنعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج. هذا تقدير من قلب القطاع، لا من خارجه. ومعناه أن السوق لم ترَ بعد كامل الأثر، بل ما زالت في بداية موجة صعود جديدة.
الخطر هنا أن الزيادة لا تضرب تكلفة الخامة فقط، بل تضرب توقيت اتخاذ القرار نفسه. المقاول يعيد الحساب. المطور يؤجل التسعير أو يرفعه تحوطًا. الموزع يحتفظ بالمخزون انتظارًا لسعر أعلى. والمشتري يتراجع خطوة لأنه لا يعرف إن كان السعر الحالي حقيقيًا أم مجرد محطة مؤقتة قبل قفزة جديدة. هكذا تدخل السوق في دائرة مفرغة: الخوف يصنع مزيدًا من التجميد، والتجميد يصنع مزيدًا من الارتباك.
لا بيع مستقر ولا شراء آمن
الأزمة العقارية لم تبدأ هذا الشهر، لكن قرار الوقود الأخير صب الزيت على نار كانت مشتعلة أصلًا. الشروق نقلت في يناير 2026 توقعات بتصحيح عنيف لأسعار العقارات خلال العام، بعد عامين من التسعير المبالغ فيه، مع تراجع جدوى الحلول التسويقية في إنعاش السوق من تباطؤ المبيعات. هذه النقطة تكشف جوهر المرض. السوق كانت أصلًا تعاني تباطؤًا، ثم جاءت صدمة الوقود ومواد البناء لتدفعها من التباطؤ إلى الشلل الحذر.
الحديث عن “لا بيع ولا شراء” ليس مبالغة صحفية هنا. هو توصيف لحالة سوق لا يثق فيها أي طرف بالسعر. البائع لا يريد أن يلتزم بسعر قد يكتشف بعد أسبوع أنه أقل من التكلفة الجديدة. والمشتري لا يريد أن يدخل في صفقة مفتوحة على زيادات لاحقة أو على قيمة مبالغ فيها أصلًا. لذلك تتسع مساحة الانتظار. ومع كل يوم انتظار، تتآكل فكرة السعر العادل نفسها، لأن السوق تعمل بالتخمين لا باليقين.
إسلام غنيم، الرئيس التنفيذي لمجموعة غنيم، قال إن 2026 يقترب من نقطة تحول حاسمة، مع نهاية مرحلة طويلة من الشراء المضاربي المدفوع بالخوف من تراجع العملة، وإن الطلب يتجه أكثر إلى الاحتياج السكني الحقيقي لا إلى التحوط السريع. هذا التوصيف مهم لأنه يعني أن السوق فقدت أحد أهم محركاتها القديمة. لم يعد يكفي الخوف من الجنيه وحده لتحريك المبيعات. والآن، مع ارتفاع التكلفة وتراجع القدرة الشرائية، تصبح الأزمة مركبة: مضاربة أضعف، وطلب نهائي أرهقه السعر، وتمويل أكثر صعوبة.
الحكومة ترفع الكلفة وتترك السوق تفترس نفسها
طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية، قال إن القطاع يدخل مرحلة إعادة تنظيم طبيعي، وإن بقاء الشركات سيكون للأكثر انضباطًا وقدرة مالية، كما حذر من أن ارتفاع تكاليف الطاقة سيصب مباشرة في مصروفات البناء والتشغيل ويضغط على أسعار العقارات في الأمد المتوسط. هذا كلام يعترف بالواقع، لكنه يكشف أيضًا من سيدفع الثمن. الشركات الصغيرة والأضعف ستنزف أولًا. والعميل سيدفع أكثر. والسوق ستزداد تركّزًا في يد القادرين على تحمل العاصفة.
المشكلة أن الحكومة لا تبدو منشغلة إلا بقرار الرفع نفسه، لا بما يليه. رفعت الوقود، وتركت السوق تدخل منطق “إعادة التسعير”. تركت المقاولين يطالبون بفروق أسعار. وتركت المشترين يواجهون سوقًا لا تمنحهم يقينًا ولا تمويلًا ولا حماية من القفزات. وفي النهاية، يظهر العقار كأنه قطاع يمرض وحده. والحقيقة أنه يدفع ثمن سياسة اقتصادية تنقل الصدمة من محطة الوقود إلى كل متر مبني في البلد.
الخلاصة أن أزمة العقار المصري لم تعد مجرد ارتفاع في الحديد والأسمنت. صارت أزمة ثقة كاملة. السوق لا تعرف سعرها الحقيقي. والمطور لا يعرف تكلفة مشروعه النهائية. والمشتري لا يعرف إن كان يدخل الآن عند القمة أم قبل موجة صعود جديدة. وفي هذه الفوضى، لا يمكن الحديث عن سوق صحية. ما يجري الآن هو تجميد واسع تحت ضغط التكلفة والوقود والارتباك. وحين يصل القطاع إلى هذه الحالة، تصبح الحكومة شريكًا مباشرًا في الأزمة، لا مجرد مراقب لها.

