يكشف هبوط الجنيه خلال الأسبوع الماضي حجم المأزق الذي وصلت إليه السياسات الاقتصادية الرسمية. الدولار اقترب من 52.49 جنيه في عدد من البنوك، بينما سجل متوسطه في البنك المركزي 52.3888 جنيه للشراء و52.4888 جنيه للبيع في آخر تحديث منشور، وهو ما يعكس ضغوطًا حادة لم تعد السلطة قادرة على تغطيتها بخطاب “الاستقرار” ولا ببيانات الطمأنة المعتادة.
المشكلة هنا ليست في رقم جديد على شاشات البنوك فقط. المشكلة أن الجنيه ظهر، وفق بيانات Trading Economics، كأحد أضعف العملات أداءً في الفترة الأخيرة، بعدما وصل سعر صرف الدولار إلى 52.34 جنيه في 12 مارس، مع تراجع شهري للجنيه بنسبة 11.72%، وبلوغ السعر مستوى قياسيًا قرب 52.86 جنيه في مارس 2026. هذه ليست حركة سوق عابرة. هذه إشارة واضحة إلى اقتصاد مكشوف أمام الصدمات، وإلى حكومة تؤجل العلاج الحقيقي وتدير الأزمة يومًا بيوم.
تراجع مكلف في البنوك
تظهر الأسعار المعلنة في البنوك أن التراجع لم يعد محصورًا في مصرف أو اثنين. البنك الأهلي وبنك مصر والبنك التجاري الدولي دارت أسعارها حول 52.39 جنيه للشراء و52.49 جنيه للبيع، بينما سجل بنك الإسكندرية 52.29 جنيه للشراء و52.39 جنيه للبيع، وهي مستويات تؤكد أن الدولار استقر فوق حاجز 52 جنيهًا على نطاق واسع في السوق المصرفية الرسمية.
وبحسب بيانات منشورة في 14 مارس، خسر الجنيه خلال 7 أيام فقط نحو 2.29 جنيه أمام الدولار، بعدما أغلق الأسبوع السابق قرب 50.08 جنيه للشراء و50.22 جنيه للبيع، أي أن نسبة التراجع قاربت 4.5% في أسبوع واحد. هذا النوع من القفزات لا يمر كخبر مصرفي عادي، لأن أثره ينتقل فورًا إلى تكلفة الاستيراد، ثم إلى الأسعار، ثم إلى جيب المواطن الذي يُطلب منه كل مرة أن يدفع ثمن “الإصلاح” وحده.
الحكومة تعرف ذلك جيدًا، لكنها تواصل التعامل مع سعر الصرف باعتباره عرضًا منفصلًا عن المرض. لا حديث جاد عن اختلال هيكل الإنتاج. لا خطة واضحة لتقليص الاعتماد على الواردات. لا تفسير مقنع لسبب بقاء العملة بهذه الهشاشة بعد كل ما جرى من بيع أصول، ورفع فائدة، وتحرير سعر صرف، وتوسع في الديون. ما نراه عمليًا هو سلطة تطلب الثقة من الناس، بينما الأرقام نفسها تنسف خطابها الرسمي كل أسبوع تقريبًا.
خبراء يربطون الأزمة بالسياسات
د. مدحت نافع قدّم وصفًا مباشرًا للمشكلة حين قال إن سعر الصرف “مرآة الاقتصاد وليس مجرد رقم متحرك”، وإن الإصلاح الهيكلي تأخر، وإن الاقتصاد الريعي يجعل الجنيه هشًا أمام الصدمات الخارجية، كما حذر من أن الأموال الساخنة قد تقوي العملة مؤقتًا لكنها تظل خطرة. هذا التقدير يضرب في الصميم الرواية الحكومية التي تحتفل بأي هدوء مؤقت في سوق الصرف كأنه تعافٍ حقيقي.
ما يقوله نافع بوضوح أن الأزمة ليست أزمة مضاربين فقط، ولا مجرد توتر خارجي، بل نتيجة نموذج اقتصادي يعيش على التدفقات السريعة أكثر مما يعيش على الإنتاج والصادرات والاستثمار طويل الأجل. وهذا بالضبط ما يفسر لماذا يهتز الجنيه بهذه السرعة كلما زادت المخاطر العالمية أو ارتفعت فاتورة الاستيراد أو تحركت الأموال الساخنة في اتجاه الخروج.
د. محمد فؤاد يضع المسألة في إطار أكثر مباشرة. ففي فبراير 2025 توقع أن يتحرك سعر الصرف بين 50 و55 جنيهًا خلال 2025، مستبعدًا وقتها خفضًا قويًا مفاجئًا، ثم عاد في تصريحات ولقاءات لاحقة ليربط هشاشة الوضع بحجم الديون وتدفقات الأموال إلى أدوات الدين، مؤكدًا أن التحركات النقدية وحدها لا تعني أن الاقتصاد أنتج أساسًا أقوى. هذه القراءة تكشف أن الحكومة لم تكن تفاجأ بالهشاشة، بل كانت تعرف نطاق الخطر وتعايشت معه بدل معالجته.
الأخطر في طرح فؤاد أنه يلفت النظر إلى الفجوة بين المؤشرات التي تحتفل بها الحكومة وبين الاقتصاد الحقيقي. فحين يتراجع الدولار عالميًا أو تدخل تدفقات قصيرة الأجل، يظهر تحسن مؤقت في السوق، لكن ذلك لا يعني أن الصناعة نمت، أو أن الصادرات قفزت، أو أن الاعتماد على الدين تراجع. بعبارة أوضح: السلطة تتعامل مع الأعراض وتترك أصل الأزمة قائمًا، ثم تطلب من الناس تصديق أن المسار آمن.
بين الوهم الرسمي والواقع
د. مراد علي يذهب إلى نقطة لا تقل حسمًا، إذ حذر من الاكتفاء بلقطة قصيرة المدى توحي بتحسن نسبي، بينما الصورة الأوسع تقول إن الجنيه فقد نحو 55% من قيمته أمام الدولار خلال سنتين، وحوالي 71% أمام اليورو في الإطار نفسه. هذا التقييم يفضح ميل الخطاب الرسمي إلى انتقاء أرقام مريحة وتسويقها كإنجاز، بينما الاتجاه العام للعملة يظل هبوطيًا بوضوح.
هذه الملاحظة مهمة سياسيًا واقتصاديًا. لأن الحكومة لا تواجه فقط أزمة سعر صرف، بل أزمة مصداقية أيضًا. كل مرة يجري الحديث فيها عن “نهاية الأزمة” أو “تحسن الجنيه”، ثم يعود الدولار للقفز من جديد، تخسر السلطة جزءًا آخر من ثقة الناس. ومع كل قفزة جديدة، ترتفع كلفة الغذاء، ومدخلات الإنتاج، والشحن، والدواء، والإيجارات، لتتحول أزمة العملة إلى أزمة معيشة شاملة.
المحصلة أن تراجع الجنيه ليس حادثًا مصرفيًا ولا قدرًا مفروضًا من الخارج وحده. إنه نتيجة مباشرة لسياسات اعتمدت على الاستدانة، وراهنت على الأموال الساخنة، وتأخرت في الإصلاح الهيكلي، وتركت الإنتاج الحقيقي أضعف من أن يحمي العملة. وما دام هذا المسار قائمًا، فلن يكون 52 جنيهًا نهاية القصة، بل مجرد محطة جديدة في سلسلة تراجع تدفع الحكومة ثمنها سياسيًا، ويدفعها المصريون من دخولهم ومدخراتهم ومستقبلهم.

