رفعت مصر للألومنيوم أسعار عدد من منتجاتها بنحو 4 آلاف جنيه للطن، في وقت تتذرع فيه الإدارة بارتفاعات السوق العالمية، واضطراب الإمدادات في الشرق الأوسط، وصعود الدولار، بينما يُترك المصنع المحلي والمستهلك النهائي لمواجهة الفاتورة وحدهما. وفي الخلفية، لا تبدو الحكومة منشغلة بكيفية حماية السوق الداخلية بقدر انشغالها بكيفية ضمان استمرار الأرباح وتعظيم العائد.
تُظهر قائمة الأسعار الجديدة أن الزيادة لم تكن رمزية ولا معزولة. ارتفع طن سلك 9 مم – 9.5 مم H14 إلى 174.15 ألف جنيه بدلًا من 170.15 ألف جنيه. وصعد طن سلك H12 إلى 174 ألف جنيه بدلًا من 170 ألفًا. وارتفعت السندرات 0.5 – 2 مم إلى 161 ألف جنيه بدلًا من 157 ألفًا. وقفزت لفات الألومنيوم الناعم إلى 182.5 ألف جنيه من 178.5 ألف جنيه، وشرائح البارد إلى 185 ألف جنيه من 181 ألفًا، ولفات البارد إلى 183 ألف جنيه من 179 ألفًا، على أن تُضاف إلى هذه الأسعار ضريبة القيمة المضافة بنسبة 14%. هذه ليست مجرد مراجعة سعرية. هذه دفعة جديدة من الغلاء تخرج من شركة عامة إلى السوق كلها.
ضغط عالمي وحساب محلي
صحيح أن السوق العالمية تضغط. سعر الألومنيوم بلغ 3,393 دولارًا للطن في 10 مارس 2026، بزيادة 8.76% خلال شهر واحد، و25.43% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بحسب بيانات Trading Economics. لكن الصحيح أيضًا أن الحكومة لا تتعامل مع هذا الضغط باعتباره خطرًا على الصناعة الوطنية، بل باعتباره مبررًا جاهزًا لنقل التكلفة إلى الداخل.
المشكلة هنا ليست في الاعتراف بتأثير السوق العالمية، بل في غياب أي سياسة محلية جادة لامتصاص الصدمة. فشركة مصر للألومنيوم نفسها أقرت في موازنتها التقديرية أن تكاليف الإنتاج ترتفع بسبب الإحلال والتجديد وارتفاع أسعار الكهرباء والخامات الرئيسية والمساعدة. وإذا كانت الدولة تعرف مسبقًا أن الطاقة والخامات تضغط على التكلفة، فلماذا تُدار الأزمة دائمًا من باب رفع السعر لا من باب تخفيف العبء عن الصناعة التي تعتمد على هذا المعدن؟
والمؤشر الأخطر أن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي وجّه الشركة إلى استغلال التكنولوجيا الحديثة لخفض تكلفة الكهرباء بما ينعكس مباشرة على سعر المعدن. هذا التوجيه، في حد ذاته، اعتراف رسمي بأن كلفة الطاقة تضرب السعر النهائي، وأن لدى الحكومة مساحة للتدخل، لكنها لا تظهر للمصانع إلا بعد وقوع الضرر.
الدولة تكسب والمصنع يدفع
الأزمة لا تتوقف عند حدود الزيادة الحالية. شركة مصر للألومنيوم تستهدف صافي ربح قدره 12 مليار جنيه في موازنة العام المالي المقبل، مقابل 10.49 مليار جنيه متوقعة عن العام الحالي، كما تستهدف مبيعات بنحو 48 مليار جنيه. هنا يظهر جوهر المسألة بوضوح: شركة عامة ترفع الأسعار في السوق المحلية بينما تتحرك في الوقت نفسه نحو تعظيم الربحية والتوسع في العائد، من دون أي حديث موازٍ عن التزام اجتماعي أو صناعي يخفف أثر هذا الارتفاع على المصانع الصغيرة والمتوسطة.
الأكثر دلالة أن مصادر السوق تتحدث عن دراسة زيادة كميات التصدير إلى الخارج بدلًا من توجيه الجزء الأكبر من الإنتاج للسوق المحلية. وإذا صح هذا الاتجاه، فنحن لا نكون أمام شركة تحاول التوازن بين الربح والمصلحة العامة، بل أمام كيان عام يتصرف بمنطق الجباية التصديرية، ويترك الصناعات المحلية أمام خامة أساسية ترتفع شهريًا ثم يطلب منها أن تبقى قادرة على المنافسة. هذه سياسة تضع الداخل في آخر الصف.
وفي قلب هذا المشهد يبرز رأي محمد المهندس، رئيس غرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات، الذي أكد في نوفمبر 2025 أن الشركة رفعت أسعار معظم المنتجات الموردة للمصانع بين 3 آلاف و5 آلاف جنيه للطن، كما أوضح في أغسطس 2025 أن اللفات والشرائح ارتفعت 4 آلاف جنيه للطن. كلام المهندس مهم لأنه يكشف أن ما يجري الآن ليس استثناء مارس، بل نمط تسعير متكرر يجعل المصنع يعيش على حافة المفاجأة الشهرية.
أزمة إدارة لا مجرد حرب
الحكومة تحاول دائمًا تقديم الحرب أو الاضطراب الإقليمي باعتبارهما التفسير الكامل. لكن السوق لا تُدار بالذرائع. حين تعرف الدولة أن الخام مستورد التكلفة، وأن الطاقة تضغط، وأن الدولار يرتفع، وأن الشركة العامة تميل إلى التصدير لتعظيم الإيراد، فإن مسؤوليتها ليست فقط تسجيل الأرباح في الموازنة، بل حماية الصناعة المحلية من الانكشاف الكامل.
وهنا يصبح السؤال سياسيًا بامتياز، لا حسابيًا فقط. ما وظيفة الشركة العامة؟ هل هي أداة لتحقيق أرباح أعلى مهما كان الأثر على السوق، أم ذراع صناعية تحافظ على توازن الأسعار وتؤمن احتياجات المصنعين في لحظة اضطراب؟ الأرقام المتاحة تقول إن الأولوية الآن للربح، لا للاستقرار. فالشركة تستهدف 12 مليار جنيه أرباحًا، فيما يتحمل السوق المحلي أثر ارتفاعات متكررة، ويُطلب من المصانع أن تمتص الصدمة وحدها.
ما يحدث في ملف الألومنيوم ليس تفصيلًا فنيًا. إنه نموذج مكثف لطريقة إدارة الحكومة للاقتصاد. تعترف بارتفاع التكلفة بعد فوات الأوان. تتحدث عن التكنولوجيا بعد زيادة السعر. تترك السوق المحلية تحت الضغط. ثم تعتبر الأرباح المرتفعة علامة نجاح. والحقيقة أبسط من كل هذا: حين تربح الدولة من اختناق الصناعة، فهي لا تدير أزمة. هي تعيد إنتاجها كل شهر بصورة جديدة.

