كشف فوز الدكتور المهندس محمد عبد الغني بمنصب نقيب المهندسين، بعد جولة إعادة أمام الوزير السابق والنقيب الأسبق هاني ضاحي، حدود قبضة السلطة على واحدة من أثقل النقابات المهنية في مصر. النتائج الأولية أظهرت تقدم عبد الغني بأكثر من 10 آلاف صوت، مقابل نحو 6 آلاف صوت لمنافسه، في فارق واسع لا يمكن اعتباره مجرد تفوق نقابي عابر، بل رسالة سياسية صريحة خرجت من صندوق انتخابي نادر ما يزال يسمح بشيء من الاختيار الحقيقي.
النتيجة بدت أكبر من مقعد نقيب. هي وقعت في لحظة اختناق سياسي شبه كامل، بعد مشهد برلماني جرى تفصيله سلفًا لمصلحة أحزاب السلطة، سواء عبر القوائم المغلقة التي أغلقت باب المنافسة الفعلية، أو عبر هيمنة واسعة على المقاعد الفردية. هنا تحديدًا تكتسب انتخابات المهندسين معناها، لأنها جرت في مساحة لم تُحكم السيطرة عليها بالكامل بعد، فخرجت النتيجة معاكسة لرغبة الدولة وحزبها الأكبر.
هزيمة مرشح الدولة
لم يكن هاني ضاحي مرشحًا عاديًا في هذه المعركة. الرجل وزير سابق، ونقيب أسبق، ومرشح مدعوم من شبكات نفوذ واضحة. مشاركة عدد من الوزراء والشخصيات الرسمية في التصويت، بينهم وزير الإنتاج الحربي ووزير التعليم العالي ووزير الكهرباء، عكست أن المعركة كانت محل اهتمام مباشر من دوائر الحكم، لا مجرد استحقاق مهني داخلي.
ورغم هذا الحشد، سقط مرشح السلطة سقوطًا واضحًا. هذه ليست مفارقة صغيرة. هذه إشارة إلى أن الكتلة المهنية، حين تجد مساحة تصويت أقل تلاعبًا، تستطيع أن تعاقب وتختار خارج ما يُراد لها. الخبير السياسي عمرو هاشم ربيع قال في قراءة لانتخابات 2026 إن الشق الفردي كان معبرًا عن الشارع أكثر من غيره، وهي ملاحظة تساعد على فهم ما جرى في نقابة المهندسين تحديدًا؛ فحين تراجع التحكم الكامل، ظهرت إرادة الناخبين بوضوح أكبر.
لهذا يصعب التعامل مع فوز عبد الغني باعتباره تفصيلًا نقابيًا. النقابة من أكبر النقابات المهنية، ولها ثقل إداري وفني وسياسي ممتد داخل الدولة نفسها. وهي بحكم طبيعة أعضائها، وارتباطهم بالمشروعات العامة والبنية التحتية والوزارات والهيئات، تظل ساحة حساسة للسلطة، خصوصًا في بلد جرى فيه تجفيف السياسة، وترويض أغلب النقابات، وتحويل الانتخابات العامة إلى مسارات شبه مغلقة.
النقابة التي استعصت على التدجين
المعركة الحالية لا يمكن فصلها عن الجولة الأخطر التي سبقتها في عهد النقيب السابق طارق النبراوي. في مايو 2023 شارك أكثر من 24 ألف مهندس في الجمعية العمومية الطارئة الخاصة بسحب الثقة منه، وانتهت المعركة بتجديد الثقة بنسبة تقارب 90%، رغم الحشد الحزبي والحكومي الذي سبقها. تلك الواقعة لم تكن خلافًا إداريًا محدودًا، بل اختبارًا مباشرًا لإرادة المهندسين في مواجهة محاولة انتزاع النقابة من مسارها المستقل.
النبراوي نفسه اتهم وقتها حزب مستقبل وطن بأنه استنفر قواعده ولجانه في المحافظات، واتهم أجهزة الدولة وبعض الوزارات بمحاولة توجيه إرادة المهندسين عبر الترهيب والضغط. كما وثقت تقارير صحفية اتهامات باقتحام مقر الجمعية العمومية وتمزيق أوراق الاقتراع وتحطيم صناديق التصويت بعد التأكد من فشل محاولة الإطاحة به، مع ورود أسماء لنواب وشخصيات حزبية قالت تقارير إنهم ظهروا في المشهد أو ارتبطوا به.
ما جرى وقتها يفسر كثيرًا من دلالة ما جرى الآن. السلطة خسرت معركة سحب الثقة. ثم عادت بعد أقل من 3 سنوات إلى معركة النقيب العام. فخسرت مجددًا، وبفارق كبير. هذا التتابع يكشف أن النقابة لم تمنح الدولة فقط هزيمة انتخابية، بل منعتها مرتين من فرض الوصاية على مؤسسة مهنية كبرى، رغم استخدام أدوات الحشد والإدارة والضغط.
دلالة تتجاوز المقعد
صحيح أن المجلس الأعلى المقبل قد لا يكون منسجمًا بالكامل مع النقيب الجديد، وأن عبد الغني قد يواجه عراقيل شبيهة بما واجهه النبراوي في الدورة السابقة، لكن هذا لا يلغي أن مقعد النقيب نفسه يظل العنوان الأوضح في أي نقابة مهنية. هو الموقع الذي يمنح الشرعية العامة، ويكشف اتجاه الجمعية العمومية، ويفرض على خصومه التعامل مع واقع لم يختاروه.
الأهم أن هذه النتيجة أعادت التذكير بتاريخ طويل من الصراع على استقلال النقابات المهنية. تقرير صادر عن “الذاكرة والمعرفة للدراسات” أشار، في ورقة أعدها الباحث العمالي هشام فؤاد، إلى أن قانون 100 لسنة 1993 وتطبيقه شكلا محطة بارزة في تدخل سلطة الدولة في شؤون النقابات المهنية، بل وعدوانًا على ما تبقى من استقلاليتها. هذا التوصيف ليس استدعاءً للماضي من باب الحنين، بل شرح مباشر لما تفعله السلطة كلما شعرت بأن نقابة ما قد تتحول إلى منصة اعتراض منظم.
ولهذا كانت نقابة المهندسين هدفًا قديمًا للسيطرة. فهي ليست نقابة خدمية هامشية، بل مؤسسة ترتبط بملفات الري والمياه والسدود والعشوائيات والكهرباء والطرق والمدن الجديدة والتعليم الهندسي. أي صوت مستقل يخرج منها يحرج السلطة في ملفات تعتبرها حكرًا على القرار التنفيذي، ويضع سياساتها ومشروعاتها تحت رقابة مهنية لا تريدها.
فوز محمد عبد الغني، إذن، لا يغير ميزان القوة في مصر وحده، لكنه يفضح هشاشة الرواية الرسمية عن الإجماع والطاعة. ويؤكد أن الطبقة الوسطى المهنية، حين تُمنح فرصة انتخاب حقيقية، لا تصوت بالضرورة كما تريد الدولة. وهذا هو المعنى الأثقل في النتيجة: أن المجال العام الذي بدا ميتًا تمامًا، ما زال قادرًا على إرسال إشارات مقاومة حية، وأن النقابات، حين تدافع عن استقلالها، تستطيع أن تفتح ثغرة سياسية في جدار أُغلق تقريبًا بالكامل.

