طالب أحمد العرابي، رئيس الاتحاد العام لنقابات أصحاب المعاشات، بربط الحد الأدنى للمعاشات بالحد الأدنى للأجور، في تجديد لمطلب ظل مطروحا منذ سنوات من دون تنفيذ فعلي يقترب من حجم الأزمة المعيشية التي تضرب ملايين المتقاعدين. هذا المطلب عاد بقوة لأن الحكومة رفعت الحد الأدنى لأجور العاملين بالدولة إلى 8000 جنيه اعتبارا من 1 يوليو 2026، بينما بقي الحد الأدنى للمعاش عند 1755 جنيها فقط منذ 1 يناير 2026، وهو فارق واسع يكشف أن الدولة توسع الهوة بين من يعملون اليوم ومن أنهوا خدمتهم بالأمس.
يعكس هذا الفارق أن ملف المعاشات لم يعد يحتمل البيانات المطمئنة ولا الزيادات المحدودة التي تذوب سريعا تحت ضغط الأسعار. فحين يطالب ممثلو أصحاب المعاشات بالمساواة أو على الأقل بربط الحد الأدنى للمعاش بالحد الأدنى للأجر، فإنهم يستندون إلى نصوص دستورية تتحدث عن العدالة الاجتماعية وتقليل الفوارق بين الدخول وضمان حياة كريمة في الشيخوخة. لكن الواقع الذي يعيشه أكثر من 11.5 مليون صاحب معاش ومستحق يقول إن الحكومة ما زالت تدير الملف بمنطق الحد الأدنى السياسي لا بمنطق الحق الاجتماعي الكامل.
معاشات بعيدة عن الأجور رغم النصوص والمطالب القديمة
ومن هذه النقطة، أعاد أحمد العرابي فتح الملف بصياغة مباشرة حين قال إن أصحاب المعاشات يطالبون منذ سنوات بتفعيل ما ورد في الدستور بشأن العدالة والمساواة، وإن ربط الحد الأدنى للمعاشات بالحد الأدنى للأجور أصبح ضرورة لا يمكن تأجيلها أكثر. كما أوضح أن المطالب الرسمية التي قُدمت منذ 2014 لم تنتج نتائج تتناسب مع اتساع الأزمة المعيشية ولا مع ما يقال عن الحماية الاجتماعية.
ثم يتأكد هذا الخلل بالأرقام الرسمية نفسها، لأن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي أعلنت أن الحد الأدنى للمعاش للمحالين إلى التقاعد ارتفع في 1 يناير 2026 إلى 1755 جنيها بدلا من 1495 جنيها، بينما أعلن وزير المالية في 1 أبريل 2026 رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين بالدولة إلى 8000 جنيه اعتبارا من يوليو المقبل. وبذلك تصبح الفجوة بين الحدين 6245 جنيها، وهي فجوة لا يمكن تبريرها بخطاب العدالة أو التدرج.
وفي هذا السياق، يكتسب رأي أحمد العرابي ثقله لأنه لا يتحدث عن مطلب جديد أو طارئ، بل عن ملف تراكم على مدى أكثر من 14 عاما بحسب تصريحاته الأخيرة. هذا الامتداد الزمني يعني أن أصحاب المعاشات لم يطرحوا مطلبا انفعاليا مرتبطا بموسم سياسي أو بقرار عابر، بل يكررون مطلبا ثابتا يعتبرونه حقا دستوريا واجب التنفيذ في ظل الغلاء وتراجع القوة الشرائية للمعاشات.
كما أن نص المادة 17 من الدستور ينص على أن الدولة تكفل توفير خدمات التأمين الاجتماعي بما يضمن حياة كريمة في حالات العجز والشيخوخة، بينما تشير المادة 27 إلى تقليل الفوارق بين الدخول وضمان حد أدنى عادل للأجور. لذلك فإن مطلب الربط بين المعاشات والأجور لا يأتي من فراغ، بل يخرج من داخل النصوص التي تستند إليها الدولة نفسها حين تتحدث عن العدالة الاجتماعية.
البدري فرغلي وإرث المطالبة بالمساواة قبل أن تتجمد الحقوق
وبعد ذلك، يعود اسم البدري فرغلي إلى الواجهة لأن العرابي نفسه أعاد التذكير بالدور الذي لعبه الرجل في الدفاع عن أصحاب المعاشات ومطالبة الدولة بالمساواة بينهم وبين العاملين. هذا الاستدعاء لا يحمل طابعا رمزيا فقط، لأن فرغلي قاد لسنوات معارك قضائية ونقابية مرتبطة بالعلاوات والحد الأدنى وحقوق أموال التأمينات، وكان يعتبر أن أصحاب المعاشات لا يطلبون منحا بل يستردون حقوقا مستحقة.
ثم تظهر أهمية هذا الإرث حين نقرأ ما قاله فرغلي في حوار منشور بالأهرام قبل سنوات، إذ شدد على أن أصحاب المعاشات لن يكونوا الطرف الأضعف في معادلة الأجور، وأن تجاهل مطالبهم دفعهم إلى الاحتجاج لأن المؤسسات الرسمية لم تستجب بما يكفي. هذا الكلام القديم لا يبدو خارج الزمن اليوم، لأن جوهر الأزمة بقي على حاله رغم تغير الحكومات والوعود والزيادات المحدودة.
وفي المسار نفسه، يشير أحمد العرابي إلى أن بعض الخطوات تحققت بعد سنوات الضغط، ومنها رفع الحد الأدنى للمعاشات في 2016 إلى 1200 جنيه ومنح علاوات إضافية لبعض الفئات. لكن المشكلة أن هذه الإجراءات لم تبن قاعدة عادلة ومستقرة، بل تركت المعاشات في موقع متأخر دائما عن الأجور وعن الارتفاع الفعلي في أسعار الغذاء والدواء والنقل والخدمات الأساسية.
وفي هذا الإطار، يقدم إلهامي الميرغني، الباحث الاقتصادي والعمالي، توصيفا مباشرا للمأزق حين كتب في يناير 2026 أن الحد الأدنى للمعاش ارتفع إلى 1755 جنيها في وقت بلغ فيه الحد الأدنى للأجور 7000 جنيه آنذاك، ودعا إلى إصلاح شامل يضمن ألا تقل المعاشات عن الحد الأدنى للأجور وأن تكفي احتياجات المعيشة الفعلية. هذا الرأي يلتقي مباشرة مع مطلب النقابة الحالي ويعطيه بعدا اقتصاديا واضحا.
مطالب مستمرة وحكومة تكتفي بزيادات لا تصمد أمام الغلاء
ومن هذا التراكم، انتقلت المطالب إلى مستوى أكثر وضوحا، إذ يقول العرابي إن أصحاب المعاشات ما زالوا يطالبون بعلاوات خاصة لقدامى أصحاب المعاشات الذين لم تشملهم الزيادات بشكل كاف خلال السنوات الماضية. كما يشدد على أن ربط الحد الأدنى للمعاشات بالحد الأدنى للأجور يظل المطلب الأبرز، لأنه وحده القادر على تقليص التفاوت الكبير بين دخول المتقاعدين ودخول العاملين داخل الجهاز نفسه أو المجتمع نفسه.
ثم تكشف البيانات الرسمية أن الزيادات التي تتحدث عنها الحكومة لا تغير الصورة الأساسية. فالهيئة بدأت في 1 يوليو 2025 تطبيق زيادة سنوية نسبتها 15 بالمئة على المعاشات لنحو 11.5 مليون مستفيد، لكن هذه الزيادة بقيت ضمن سقف قانوني لا يتجاوز 15 بالمئة، وهو سقف لا يضمن وحده حماية القوة الشرائية في ظرف اقتصادي تتسارع فيه الأسعار وتكاليف المعيشة بصورة أكبر من الزيادة السنوية نفسها.
وبسبب ذلك، لم يعد ممكنا الاكتفاء بمقارنة قيمة المعاش الحالية بقيمتها قبل سنوات من دون النظر إلى التضخم. تقارير حديثة نقلت عن أصحاب معاشات أن الزيادة الأخيرة لم تكن مرضية في ظل ارتفاع أسعار الوقود والطعام والأدوية والمواصلات. وهذه الشهادة تفسر لماذا تصر النقابة على أن التحسن الشكلي في الأرقام لا يساوي تحسنا فعليا في مستوى المعيشة ولا يقترب من فكرة الحياة الكريمة.
وفي هذه النقطة، يبرز اسم جمال عوض، رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، بوصفه المسؤول الأهم عن المنظومة الرسمية. الرجل أعلن رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 1755 جنيها ورفع حدود أجر الاشتراك التأميني، وقال إن ذلك ينعكس على تحسين المعاشات مستقبلا. غير أن هذا الطرح الرسمي يظل محكوما بالأرقام نفسها التي تكشف اتساع الفجوة مع الأجور الحالية، وتؤكد أن التحسين الجاري لا يرقى إلى مطلب المساواة أو الربط.
خطوات حاسمة مؤجلة بينما تتسع الفجوة الاجتماعية
ومن هنا، تبدو دعوة العرابي إلى اتخاذ خطوات حاسمة أكثر من مجرد صياغة احتجاجية، لأنها تضع الحكومة أمام اختبار واضح. فإذا كانت الدولة ترفع أجور العاملين وتعلن برامج حماية اجتماعية متلاحقة، فإن منطق العدالة يفرض عليها ألا تترك من أفنوا عمرهم في العمل العام والخاص عند حد أدنى لا يغطي أساسيات المعيشة. لذلك فإن التعاون الذي يتحدث عنه العرابي بين الحكومة والجهات المعنية لا معنى له من دون قرار مالي وتشريعي واضح.
كما أن استمرار تجاهل هذا المطلب يوسع الفجوة داخل المجتمع نفسه، لأن الدولة تقول في المادة 27 إنها تستهدف تقليل الفوارق بين الدخول، بينما تؤدي سياساتها الحالية إلى تكريس فارق واسع بين الأجر والمعاش. وحين يصل الحد الأدنى للأجر إلى 8000 جنيه ويبقى الحد الأدنى للمعاش عند 1755 جنيها، فإن الرسالة الفعلية التي تصل إلى أصحاب المعاشات تقول إن سنوات العمل السابقة لم تعد تضمن لهم الحد الأدنى من الإنصاف بعد التقاعد.
وأخيرا، فإن مطلب نقابة أصحاب المعاشات بربط الحد الأدنى للمعاشات بالحد الأدنى للأجور لم يعد ملفا فئويا ضيقا، بل صار عنوانا مباشرا لفشل الحكومة في ترجمة النصوص الدستورية إلى حماية اجتماعية حقيقية. أحمد العرابي أعاد طرح القضية، والبدري فرغلي ترك قبل رحيله إرثا كاملا من المطالبة بالمساواة، وإلهامي الميرغني وضع الأرقام أمام الرأي العام بوضوح. وبين هذه الأصوات الثلاثة، تتأكد الحقيقة الأساسية وهي أن ملايين أصحاب المعاشات ما زالوا ينتظرون عدالة مؤجلة لا تحتمل مزيدا من التسويف.

