أطلقَ وزراء خارجية 8 دول بيانًا مشتركًا أدان استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في إغلاق أبواب المسجد الأقصى أمام المصلين المسلمين خلال رمضان، واعتبر القيود انتهاكًا للقانون الدولي ولحرية العبادة. البيان، الذي تداوله الإعلام الخميس 12 مارس 2026، قال إن الإغلاق استمر 12 يومًا متتاليًا، وإن القيود تمس البلدة القديمة وأماكن العبادة في القدس.

 

اللافت أن القاهرة كانت ضمن الموقّعين، إلى جوار الأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية وقطر. لكن توقيع مصر لا يغيّر حقيقة أبسط: الحكومة المصرية تُراكم بيانات الإدانة بينما يتوسع الاحتلال في فرض الوقائع على الأرض. لغة “الرفض” تتكرر. أدوات الضغط لا تظهر. وفي كل رمضان، يتحول الأقصى إلى اختبار علني لجدية العواصم.

 

إغلاق الأقصى في رمضان.. انتهاك مُعلن و“قلق” بلا ردع

 

البيان قال بوضوح إن القيود الأمنية على الوصول إلى البلدة القديمة وأماكن العبادة “انتهاك صارخ” للقانون الدولي، بما فيه القانون الدولي الإنساني، وإنها تمس “الوضع التاريخي والقانوني القائم” وتستفز المصلين وتنتهك حرمة المسجد. هذه ليست صياغة دبلوماسية ناعمة. لكنها تظل بلا قيمة عندما لا تتبعها كلفة سياسية يدفعها الاحتلال.

 

الوزراء شددوا أيضًا على نقطة محورية: “لا سيادة لإسرائيل” على القدس الشرقية المحتلة ولا على مقدساتها الإسلامية والمسيحية. هذا الكلام يُقال منذ سنوات في المحافل. الجديد هو أن الاحتلال يغلق الأبواب في رمضان علنًا ثم يبرر ذلك بإجراءات “أمنية”، بينما العالم يكتفي بالتسجيل في خانة الاعتراض.

 

الشيخ عكرمة صبري، خطيب المسجد الأقصى، يقدّم صورة ميدانية أقسى من البيانات. تقارير صحفية أشارت إلى استدعائه والتحقيق معه وتهديده بالاعتقال، ضمن سياسة إبعاد وتضييق على الشخصيات الدينية في القدس. هنا يصبح الإغلاق جزءًا من منظومة كاملة، لا قرارًا طارئًا ليوم أو يومين.

 

الاحتلال لا يكتفي بإغلاق الأقصى. تقارير عربية تحدثت عن إغلاقه بالتوازي مع تشديد القيود في القدس، في سياق توترات إقليمية أوسع. وحتى حين يفتح بعض الأبواب لاحقًا، تظل القاعدة هي التحكم والسيطرة، لا “تسهيل العبادة”. النتيجة أن آلاف المصلين يتحولون إلى طوابير وحواجز وقرارات منع لحظية.

 

144 دونمًا للمسلمين.. والأوقاف الأردنية صاحبة الاختصاص

 

البيان جدّد التأكيد على أن المسجد الأقصى/الحرم القدسي الشريف بكامل مساحته البالغة 144 دونمًا مكان عبادة خالص للمسلمين. هذه ليست تفصيلة هندسية. هذه رد مباشر على محاولة الاحتلال التعامل مع المكان كأنه “ساحة سيادة” قابلة لإعادة التعريف بالقوة، وبما يخالف الوضع القائم.

 

كما أكّد أن دائرة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية هي الجهة القانونية صاحبة الاختصاص الحصري في إدارة شؤون المسجد وتنظيم الدخول إليه. هذا التحديد مهم لأنه يفضح محاولات الاحتلال فرض ترتيبات جديدة على البوابات والمسارات ومواعيد الدخول، وكأنها إجراءات داخل “حدوده”.

 

الشيخ ناجح بكيرات، نائب مدير أوقاف القدس، سبق أن تحدث عن سياسة “تغوّل” الاحتلال على الأقصى، وأكد أن الأوقاف تتمسك بفتح بوابات المسجد في رمضان رغم القيود والتهديدات. شهادة بكيرات هنا ليست تعليقًا سياسيًا، بل وصف لتوازن قوى غير عادل: إدارة دينية تحاول حماية حق العبادة، وسلطة احتلال تستعمل الشرطة والحواجز.

 

وفي مناسبات سابقة، قال عزام الخطيب مدير أوقاف القدس إن محاولات فتح الأقصى أو إعادة فتح بواباته جاءت بعد قيود وإغلاقات وضغوط، بما يعكس أن الأمر ليس “إجراء تنظيمي” بل معركة يومية على المفاتيح. هذا المعنى هو ما تغفله الحكومات التي تتعامل مع الملف كمادة بيانات، لا كاشتباك قانوني وسياسي مستمر.

 

مطالب بالفتح الفوري.. والمجتمع الدولي “مدعو” من غير آليات

 

الوزراء طالبوا إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، بفتح أبواب الأقصى فورًا، ورفع القيود عن البلدة القديمة، والسماح بحرية دخول المصلين. ودعوا المجتمع الدولي لاتخاذ موقف “حازم” يلزم إسرائيل بوقف الانتهاكات. المشكلة أن الدعوة وحدها لا تُلزم أحدًا، خصوصًا عندما تُقال بلا إجراءات متابعة، ولا مسار محاسبة، ولا ثمن دبلوماسي واضح.

 

هنا تحديدًا تظهر مسؤولية القاهرة بشكل أكثر فجاجة. الحكومة المصرية تعرف وزنها الإقليمي. وتعرف أن توقيعها على بيان لا يساوي شيئًا إذا بقي مجرد توقيع. الخصومة ليست مع جملة في ورقة، بل مع سلوك احتلال يختبر حدود الرد العربي والإسلامي. كل مرة يمر الاختبار بلا عقاب، يرفع الاحتلال سقفه في المرة التالية.

 

التغطيات التي نقلت البيان ذكرت أن إسرائيل بررت القيود باعتبارات أمنية مرتبطة بتوترات إقليمية، وأن جهات فلسطينية وصفت الإغلاق بانتهاك “فاضح” للحقوق وبسابقة خطيرة تقوض حرية العبادة. هذا يعني أن المشهد ليس خلافًا على “تنظيم دخول”، بل على حق أساسي يُصادر بالقوة. والسكوت الدولي يضاعف الضرر.

 

النتيجة على الأرض واضحة وبسيطة. أبواب تُغلق. مصلون يُمنعون. بلدة قديمة تُحاصر. والوزراء يكتبون بيانات. إذا كانت الحكومات الموقعة جادة، فالمطلوب انتقال من الإدانة إلى أدوات تضع الاحتلال تحت ضغط فعلي: قانوني، ودبلوماسي، وإعلامي، وميداني. أما الاكتفاء بالنصوص، فهو مشاركة غير مباشرة في تطبيع الإغلاق كـ“خبر عادي” في رمضان.