في لحظات الصراع الكبرى، لا تتحول بعض الأسماء إلى مجرد شخصيات عابرة في الأخبار، بل تصبح رموزًا تختصر حكاية شعب بأكمله. هكذا كان حضور حذيفة الكحلوت، المعروف باسم أبو عبيدة، الذي ارتبط صوته في ذاكرة الفلسطينيين والعرب بسنوات طويلة من المواجهة والصمود. لم يكن ظهوره مجرد بيان عسكري، بل رسالة سياسية وإنسانية تحمل صدى الألم والأمل معًا، في واقعٍ يختلط فيه ثقل الحرب بإصرار الناس على البقاء والدفاع عن كرامتهم.
نشرت كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، مقطع فيديو جديدًا للناطق باسمها الراحل حذيفة الكحلوت، المعروف بلقب “أبو عبيدة”، في ظهور استثنائي يُعرض للمرة الأولى من دون اللثام الذي لازم حضوره الإعلامي طوال سنوات.
وخلال مسيرته، ارتبط اسم الكحلوت في الوعي الشعبي بصورة “الملثّم”، إذ اعتاد الظهور مرتديًا الكوفية الحمراء التي أخفت ملامح وجهه، لتصبح تلك الصورة رمزًا للمقاومة والسرية والانضباط الأمني. وعلى امتداد سنوات طويلة، تعرّف الجمهور إليه من خلال صوته الواثق ونبرته الحازمة وخطابه التعبوي، فيما بقيت ملامحه الحقيقية بعيدة عن الأضواء.
القسـ.ـام تنشر مشاهد يظهر فيها الناطق باسمها الراحل حذيفة الكحلوت "أبو عبيدة" للمرة الأولى صوتًا وصورة دون لثامه خلال حفل تكريم مقاتلي كتيبة القدس#فيديو pic.twitter.com/KCZCeUxzZA
— الجزيرة فلسطين (@AJA_Palestine) March 11, 2026
ولم يكن اللثام مجرد تفصيل شكلي في ظهوره الإعلامي، بل تحوّل إلى علامة رمزية تعكس طبيعة العمل السري للمقاومة، ورسالة بأن القضية أكبر من الأفراد، وأن الصوت الذي كان يصل إلى الناس إنما يحمل حكاية شعب يسعى إلى الحرية والكرامة.
الفيديو الذي بثته "القسام" يعد التوثيق الأول لحذيفة الكحلوت من دون لثام، حيث ظهر فيه بالصوت والصورة خلال مشاركته في حفل تكريم مقاتلي "كتيبة القدس" التابعة لكتائب القسام في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، بحسب ما أظهرته اللقطات المصورة.
ويبدو في المقطع في أجواء احتفالية داخلية، متحدثا إلى المقاتلين، خلال حفل تكريمهم.
وجاء نشر الفيديو ضمن سياق إعلامي أوسع لكتائب القسام، تخلله بث مشاهد للقائد في كتائب القسام الشهيد إسماعيل فايز السراج، الملقب بـ"أبو معاذ"، قائد "كتيبة القدس-النصيرات" في لواء الوسطى، ضمن فيديو عنونته الكتائب بـ"أقمار الطوفان"، وهو جزء من سلسلة "شهداء القسام في معركة طوفان الأقصى".
ويهدف هذا النشر المتزامن -بحسب متابعين- إلى إعادة تسليط الضوء على رموز القسام الذين استشهدوا خلال الحرب المستمرة على قطاع غزة، وربط مسيرتهم الميدانية بسردية "طوفان الأقصى" ومراحلها المختلفة.
ورغم انشغال الأجندة الإخبارية بالحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة وبين إيران ، فقد نجح مقطع "أبو عبيدة بلا لثام" في أن يقتحم واجهات التفاعل على منصات التواصل، حيث سرعان ما بدأ رواد العالم الافتراضي بتداول الفيديو والتعليق عليه بكثافة.
وركزت غالبية التفاعلات على البعد العاطفي للحظة "التعرف المتأخر" إلى وجه الرجل الذي ارتبط اسمه وخطابه بذاكرة الجمهور خلال سنوات، إذ كتب مغردون يصفون اللحظة بأنها "صادمة ومؤلمة" في آن واحد، لأنها تكشف ملامحه بعد رحيله.
لحظة إدراك أن هذا الشخص الذي نراه بأعيننا الآن هو من كان يحدثنا من وراء اللثام لكن للأسف عندما رأينا وجهه لم يعد باستطاعتنا سماع صوته مرة أخرى لحظة مؤلمة فعلا 😔😢😢 تقبلك الله من الشهداء أيها الشهيد القائد حذيفة الكحلوت أبو عبيدة
— نور الهدى (@nwrlhdy14965082) March 11, 2026
وعلق أحد المتابعين قائلا "لحظة إدراك أن هذا الشخص الذي نراه بأعيننا الآن هو من كان يخاطبنا من وراء اللثام، لكن للأسف عندما رأينا وجهه لم يعد باستطاعتنا سماع صوته مرة أخرى.. لحظة مؤلمة فعلاً."
بينما دون آخرون رسائل وداع تمزج بين الرثاء والتأكيد على استمرار الطريق، قائلين "رحل الجسد وبقيت الراية؛ غادرنا الصوت الذي كان أقوى من ترسانات الجيوش، ليترك خلفه أمة لا تُقهر تنبت الشهداء كما تنبت الأرض الزيتون".
إلى جانب البعد الرمزي للثام والكوفية، رأى ناشطون أن نشر الفيديو من دون لثام يمثل "استكمالًا لسيرة الرجل بعد استشهاده"، وتحويله من رمز مجهول الملامح إلى شخصية حقيقية واضحة، لها وجه وابتسامة وتعابير، بما يعمق الارتباط العاطفي به وبخطاب المقاومة لدى الأجيال الجديدة.
"رحل الجسد وبقيت الراية؛غادرنا الصوت الذي كان أقوى من ترسانات الجيوش،ليترك خلفه أمة لا تُقهر تنبت الشهداء كما تنبت الأرض الزيتون"
— أسماء (@sm0724883261502) March 11, 2026
"سلامٌ على من سكن القلوب وما خبا ضوءه،سلامٌ على اللثام الذي صار رمزاً للحرية والكرامة"
يا من نطقتَ فزلزلتَ أركانهم.. وصوتك الرعدُ في ليلهم قد دوى
وكانت حركة المقاومة الإسلامية حماس أعلنت يوم 29 ديسمبر 2025 أنه استشهد أثناء حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في أعقاب طوفان الأقصى.
وربما كان أكثر ما يميز تلك التجربة أن الوجوه قد تغيب، لكن الرموز تبقى حيّة في ذاكرة الشعوب. فالصوت الذي خرج يومًا من خلف اللثام لم يكن مجرد خطاب عابر، بل تعبيرًا عن لحظة تاريخية عاشتها أمة كاملة. ومع مرور الزمن، تتحول هذه اللحظات إلى صفحات في ذاكرة النضال الإنساني، تذكّر بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تتجاوز حدود المكان والزمان، وأن تبقى حاضرة في وجدان الناس حتى بعد غياب أصحابها.
إن اللثام الذي أخفى ملامح الرجل طوال تلك السنوات كان أكثر من مجرد غطاء لوجهٍ مجهول؛ فقد أصبح رمزًا لفكرةٍ أوسع، مفادها أن القضية أكبر من الأشخاص، وأن الصوت الذي يخرج دفاعًا عن الحرية قد يختفي صاحبه، لكن صداه يظل حاضرًا في الذاكرة والوجدان. ففي قصص الشعوب التي تناضل من أجل كرامتها، قد يغيب الأفراد، لكن الحكاية تستمر، وتحملها أجيال جديدة بروح لا تنطفئ.

