كشفَت قراءة التضخم الأخيرة أن الحكومة تبيع للرأي العام رواية أقل بكثير من الواقع.

فبحسب البيانات المتداولة عن فبراير، ارتفع التضخم السنوي في المدن إلى 13.4% مقابل 11.9% في يناير، أي أن موجة الغلاء لم تنكسر كما حاولت السلطة الإيحاء، بل عادت للصعود سريعًا تحت ضغط الطلب الرمضاني، وزيادات أسعار بعض السلع، والتكلفة المتراكمة التي لم تغادر السوق أصلًا.

المشكلة ليست في الرقم وحده، بل في أن هذا الارتفاع يأتي بعد شهور من الكلام الرسمي عن تحسن الأوضاع، وبعد تمويلات خارجية جديدة، وبعد دورة خفض للفائدة كان يُفترض أنها تستند إلى مسار أكثر استقرارًا للأسعار.

لكن ما يظهر الآن أن التحسن كان هشًا، وأن السوق ما زالت أسرع من خطاب الحكومة، وأن المواطن لا يلمس من “الاستقرار” سوى مزيد من الضغط على قدرته الشرائية.

 

التضخم الرسمي في المدن كان قد تباطأ إلى 11.9% في يناير 2026، بحسب البنك المركزي المصري وبيانات السوق التي استندت إلى أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

كما ظل هذا المستوى بعيدًا عن مستهدف البنك المركزي البالغ 7% ±2 بنهاية الربع الرابع من 2026، ما يعني أن مصر لم تخرج أصلًا من دائرة الأسعار المرتفعة، بل كانت فقط في مرحلة تباطؤ مؤقت قبل أن يعود الضغط من جديد.

 

التضخم صعد لأن الأزمة لم تُحل أصلًا

 

الحكومة تحب دائمًا تقديم التضخم كأثر جانبي لعوامل خارجية: حرب، طاقة، شحن، دولار، اضطراب عالمي. لكن هذه نصف الحقيقة فقط.

النصف الآخر أن السوق المصرية دخلت 2026 وهي أصلًا محملة بآثار سنوات من خفض العملة، ورفع أسعار الوقود، وتآكل الدخول، وتمرير زيادات التكلفة تدريجيًا إلى المستهلك.

ولهذا، لم يكن كافيًا أن ينخفض التضخم من ذروة 38% المسجلة في سبتمبر 2023 حتى يصبح الوضع “طبيعيًا”.

الانخفاض من ذروة كارثية لا يعني أن القدرة الشرائية تعافت، بل يعني فقط أن الوتيرة أصبحت أقل جنونًا من قبل.

استطلاعات المحللين قبل صدور القراءة الجديدة كانت أصلًا تتوقع عودة الضغوط.

وفي استطلاعات منشورة استندت إلى مسوح لخبراء الاقتصاد، رجح محللون أن يدفع رمضان والطلب الموسمي وتكاليف بعض السلع القراءة إلى الصعود أو البقاء مرتفعة رغم أثر سنة الأساس.

هذه التوقعات تعني أن المفاجأة ليست في ارتفاع التضخم نفسه، بل في استمرار الحكومة في بيع سردية “التحسن المستدام” بينما كانت كل المؤشرات تشير إلى أن السوق لا تزال قابلة للاشتعال عند أول ضغط موسمي أو سعري.

 

الخبير سري فيرينشي كاديالا من بنك أبوظبي التجاري قال إن ضغوط أسعار الغذاء المرتبطة بشهر رمضان ستعوض الأثر الإيجابي لسنة الأساس.

قيمة هذا الرأي أنه يضرب مباشرة جوهر الخطاب الرسمي.

لأن السلطة كانت تراهن سياسيًا على أثر المقارنة السنوية لتقول إن الأمور تتحسن، بينما يقول خبراء السوق إن الطلب الرمضاني وحده يكفي لإفساد هذه الرواية.

وبعبارة أبسط: المواطن لا يشتري “سنة أساس”، بل يشتري طعامًا ارتفع سعره فعلًا.

 

رمضان ليس شماعة.. بل اختبار فشلت فيه الحكومة

 

من السهل على الحكومة أن تختبئ خلف شهر رمضان باعتباره موسمًا استثنائيًا.

لكن رمضان ليس حدثًا مفاجئًا في مصر. يأتي كل عام، وتعرف الدولة مسبقًا أنه يرفع الطلب على الغذاء والسلع الأساسية ويختبر قدرة السوق على الانضباط.

ومع ذلك، يتكرر المشهد نفسه: وعود بالمعارض والمنافذ والرقابة، ثم أسعار أعلى من دخول الناس، ثم دعوات للصبر حتى “تنتهي الموجة”.

هذه ليست إدارة أزمة. هذا تكرار موسمي لفشل متجدد.

 

سارة سعادة من “سي آي كابيتال” قالت إن قراءة التضخم يفترض أن تعكس مراجعة أسعار السجائر في فبراير، وزيادة تكلفة التعليم السنوية، وتضخم أسعار المواد الغذائية الأخرى.

هذا يعني أن الغلاء ليس ملف طعام فقط، بل ملف متعدد الجبهات يضرب الأسرة من عدة أبواب في وقت واحد: الغذاء، والتعليم، والسلع الاستهلاكية.

وعندما تجتمع هذه العناصر في شهر واحد، لا يعود ممكنًا الحديث عن “تحسن اقتصادي” بمعناه الذي تحاول الحكومة بيعه للمجتمع وللممولين الدوليين.

لأن التحسن الحقيقي يبدأ من السوق اليومية، لا من نشرات المؤشرات وحدها.

 

كما أن آسر، في قراءة منشورة عن رمضان بوصفه “اختبارًا موسميًا للنمو والتضخم” في مصر، أشار إلى أن الاستهلاك الرمضاني غير مرن، وأن السلع الأساسية تُشترى مهما ارتفع السعر، ما يخلق ذروة موسمية في مؤشر الأسعار.

وهذا يفسر لماذا تبدو الدولة عاجزة كل مرة عن كبح الغلاء في هذا الموسم تحديدًا.

فالطلب معروف، والعادات الاستهلاكية معروفة، والضغوط معروفة، لكن السياسات الوقائية ما زالت ضعيفة أو متأخرة أو شكلية.

 

الفائدة انخفضت.. لكن الأسعار لم تنخفض

 

المفارقة الأكبر أن البنك المركزي خفض الفائدة 100 نقطة أساس في فبراير 2026، لتصل فائدة الإيداع إلى 19% والإقراض إلى 20%، مع استمرار لجنة السياسة النقدية في دورة تيسير بدأت بعد تخفيضات كبيرة خلال 2025.

هذا القرار فُهم على أنه إشارة إلى أن مسار التضخم أصبح أكثر هدوءًا.

لكن الارتفاع الأخير يضع هذا الرهان كله تحت السؤال. لأن خفض الفائدة يفترض أن يأتي فوق أرضية أكثر صلابة للأسعار، لا فوق سوق ما تزال تتحرك صعودًا مع كل ضغط موسمي أو تسعيري.

 

والأخطر أن هذه العودة إلى الصعود تأتي رغم أن مصر حصلت على دعم إضافي من صندوق النقد الدولي ضمن برنامج موسع يبلغ نحو 8 مليارات دولار، كما أُفرج في فبراير 2026 عن نحو 2.3 مليار دولار جديدة بعد استكمال مراجعات البرنامج.

الصندوق نفسه قال إن الاقتصاد حقق بعض التقدم في الاستقرار، لكنه أشار أيضًا إلى أن الإصلاحات الهيكلية ما زالت غير متكافئة، وأن بعض التحركات الجوهرية ما زالت بطيئة.

وهذا بالضبط ما تكشفه قراءة التضخم الحالية: الأموال قد تأتي، لكن الأسعار لا تنتظر.

وإذا بقيت الإصلاحات الحقيقية أبطأ من السوق، فإن المواطن سيظل يدفع الفاتورة قبل أن يلمس أي أثر إيجابي مزعوم.

 

الخلاصة أن عودة التضخم إلى الصعود في فبراير لا يجب التعامل معها كرقم عابر.

هي إنذار جديد بأن الحكومة لم تكسب معركة الأسعار بعد، وأن ما تعتبره “نجاحًا” في إدارة الاقتصاد لا يزال بعيدًا عن حياة الناس الفعلية.

التضخم انخفض من مستويات كارثية، نعم، لكنه ما زال أعلى من المستهدف، وأكثر قدرة على الارتداد مما تريد السلطة الاعتراف به.

وحين ترتفع الأسعار مجددًا مع رمضان والسجائر والتعليم والغذاء، بينما تستمر الحكومة في الحديث عن تحسن عام، فإن الرسالة الحقيقية تصبح واضحة: المؤشرات قد تُجمَّل، لكن موائد المصريين لا تكذب.