أعادَ إلغاء الزيارة التي كانت مقررة الثلاثاء للمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وكبير مستشاري البيت الأبيض جاريد كوشنير إلى إسرائيل طرح سؤال أكبر من الخبر نفسه: هل تراجع واشنطن خطوة إلى الخلف تمهيدًا لمسار تفاوضي جديد، أم أنها تعيد ترتيب أدواتها قبل جولة تصعيد أخرى في الحرب مع إيران؟ هيئة البث الإسرائيلية قالت إن الزيارة أُلغيت من دون شرح، بينما كانت تقارير إسرائيلية وأمريكية قد ربطت أي تحرك جديد لويتكوف وكوشنير بملف إيران، وبمحاولات أمريكية لمزج الضغط العسكري بمسار اتصالات أو تفاوض محتمل.
الخبر لا يبدو عابرًا. ويتكوف وكوشنير ليسا مجرد اسمين في إدارة ترامب. هما الواجهة السياسية لملفات شديدة الحساسية، من غزة إلى إيران. وفي الأسابيع الأخيرة كانا قد تحركا بين إسرائيل وعُمان وملفات التهدئة والاتصالات مع طهران. لذلك فإن إلغاء زيارة جديدة إلى تل أبيب، في لحظة اشتعال عسكري وسياسي، يحمل دلالة تتجاوز البروتوكول. خصوصًا أن القرار جاء بعد تصاعد الحديث عن تعيين مجتبى خامنئي، وبعد تسريبات عن قلق إسرائيلي من احتمال وجود قنوات اتصال أمريكية مع إيران لا تمر عبر نتنياهو.
زيارة ملغاة في توقيت حساس
التوقيت هنا هو مفتاح القراءة. هيئة البث الإسرائيلية تحدثت عن إلغاء زيارة كان يفترض أن تتم يوم الثلاثاء، من دون تقديم أسباب إضافية. وفي المقابل، كانت تقارير إسرائيلية وأمريكية قد تناولت تحركات ويتكوف وكوشنير في سياق مختلف تمامًا خلال الأسابيع الماضية: لقاءات مع نتنياهو، ومباحثات مرتبطة بخطة أمريكية لغزة، وأخرى مرتبطة بمحادثات أمريكية إيرانية كان يجري التحضير لها في إسطنبول أو عُمان لتفادي اتساع المواجهة. هذا يعني أن الإلغاء لم يقع في فراغ، بل في لحظة كانت فيها القناة الأمريكية تجمع بين الحرب والوساطة في آن واحد.
الأهم أن هذا التطور يأتي بينما تبدو العلاقة بين ترامب ونتنياهو أقل تماسكًا مما تحاول تل أبيب إظهاره. تقارير متعددة أشارت إلى أن ترامب كان قد أبلغ نتنياهو في شباط/فبراير 2026 بضرورة استمرار المحادثات مع إيران، رغم رغبة رئيس الحكومة الإسرائيلية في دفع الأمور نحو موقف أشد صلابة. كما أفادت أكسيوس بأن نتنياهو طلب من البيت الأبيض توضيحات بعدما وصله انطباع بوجود اتصالات أمريكية محتملة مع الإيرانيين بشأن وقف إطلاق النار أو التهدئة. هذا ليس خلافًا هامشيًا. هذه فجوة ثقة في قلب غرفة الحرب.
هنا يصبح الإلغاء قابلًا لتفسيرين متناقضين. الأول أن واشنطن لا تريد الآن منح نتنياهو منصة جديدة للتأثير على مسار أي تفاوض مقبل مع إيران. والثاني أن الإدارة الأمريكية تعيد ضبط الزيارة لأن الموقف الميداني نفسه ينزلق إلى مرحلة أخطر، تجعل الرسائل تُدار من واشنطن مباشرة لا عبر مبعوثين يلتقطهم الإعلام الإسرائيلي في كل محطة. في الحالتين، المسألة لا تبدو مجرد تغيير جدول.
خلاف أمريكي إسرائيلي أم إعادة توزيع أدوار؟
جزء من خلفية الخبر يرتبط بما نشرته وسائل إعلام إسرائيلية عن خلافات بين واشنطن وتل أبيب بشأن القصف الإسرائيلي الذي استهدف منشآت نفطية في طهران. هذا يتقاطع مع ما أوردته رويترز من أن تحالف الحرب بين ترامب ونتنياهو يواجه اختبارًا حقيقيًا مع اتساع الأزمة واحتمال تغير أهدافها. ففي بداية الحملة كان خطاب “تغيير النظام” حاضرًا بقوة، لكن تصريحات لاحقة من ترامب والبنتاغون خففت هذا السقف، وركزت أكثر على تدمير القدرات العسكرية والنووية الإيرانية، لا على إسقاط الدولة الإيرانية مباشرة. هذا التفاوت في الأهداف ينعكس بالضرورة على حركة المبعوثين.
آرون ديفيد ميلر، الزميل البارز في مؤسسة كارنيغي، ومعه السفير الأمريكي الأسبق دانيال كيرتزر، قدما في “فورين بوليسي” توصيفًا قاسيًا لأداء ويتكوف وكوشنير، معتبرين أن الرجلين “فشلا دبلوماسيًا” وأنهما شديدا التمدد وقليلا الخبرة أمام ملفات متفجرة من هذا الحجم. أهمية هذا الرأي لا تكمن فقط في نقد الشخصين، بل في أنه يكشف كيف تنظر دوائر أمريكية خبيرة إلى أسلوب إدارة ترامب للمنطقة: خلط بين الاستعراض السياسي والوساطة والحرب، من دون بنية دبلوماسية مستقرة. وإذا صح ذلك، فإن إلغاء الزيارة قد يكون اعترافًا غير معلن بأن هذه القناة نفسها تعثرت أو فقدت فعاليتها.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن ويتكوف كان قبل أيام فقط يتحدث علنًا عن التفاوض مع الإيرانيين، وأن زيارته السابقة إلى إسرائيل جاءت أصلًا قبل محادثات أمريكية إيرانية هدفها “تفادي الصراع وخفض التصعيد”، وفق ما نقلته صحف إسرائيلية. هذا يعني أن الرجل لم يكن مبعوث حرب فقط. كان أيضًا حامل ملف تفاوضي. وعندما يتوقف هذا المسار فجأة، فإن الرسالة إلى تل أبيب تصبح شديدة الحساسية: واشنطن قد لا تريد أن تظل إسرائيل شريكًا كامل الاطلاع على كل ما يُدار.
بين التهدئة والتصعيد.. ماذا تقول الإشارات؟
المشكلة أن كل المؤشرات الحالية تسمح بالقراءتين معًا. من جهة، هناك تقارير عن خشية إسرائيلية من أن تمضي واشنطن نحو اتصالات أو تفاهمات مع طهران قبل أن تحقق إسرائيل كل أهدافها العسكرية. ومن جهة أخرى، هناك تصعيد متواصل في الميدان، وتوسيع في بنك الأهداف، وارتفاع في أسعار النفط، وتحذيرات من أن الحرب لم تقترب بعد من نهايتها. هذا التداخل هو ما يجعل إلغاء زيارة ويتكوف وكوشنير أخطر من مجرد خطوة لوجستية. لأنه يقع في منتصف منطقة رمادية بين الدبلوماسية والتصعيد.
فالي نصر، أستاذ دراسات الشرق الأوسط والعلاقات الدولية، قال إن أطراف الحرب الثلاثة الأساسية، إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، لكل منها “قدرة مختلفة على تحمل الألم”، وإن أي خطأ في الحساب قد يطيل المواجهة بدل أن يقصرها. هذا التقدير مهم هنا. فإذا كانت واشنطن تعتقد أن تجميد زيارة مبعوثيها يمنحها هامشًا أوسع للمناورة، فقد تفهمه تل أبيب باعتباره تراجعًا أو محاولة لكبحها. وإذا كانت إسرائيل قد بنت حساباتها على دعم أمريكي كامل، فإن أي إشارة ارتباك في القناة السياسية قد تدفعها إلى مزيد من الاندفاع العسكري لإعادة فرض الوقائع على الأرض.
الخلاصة أن إلغاء زيارة ويتكوف وكوشنير لا يجيب وحده عن سؤال الحرب، لكنه يكشف اضطرابًا في لحظة كان يفترض أنها تحتاج إلى أعلى درجات الوضوح بين واشنطن وتل أبيب. وإذا كانت الزيارة قد أُلغيت فعلًا بسبب إعادة ترتيب دبلوماسي، فهذا يعني أن الولايات المتحدة ما زالت تبحث عن مخرج أو على الأقل عن قناة تفاوض لا يبتلعها نتنياهو. أما إذا كان الإلغاء مرتبطًا بتحضير لمرحلة أعنف، فالمعنى أخطر: أن المبعوثين لم يعودوا أولوية لأن القرار انتقل بالكامل إلى العسكريين. في الحالتين، الخبر ليس تفصيلًا صغيرًا. إنه علامة على أن إدارة الأزمة الأمريكية نفسها لم تعد مستقرة.

