شنت القوات الإسرائيلية منذ فجر السبت غارات جوية وقصفًا مدفعيًا وبحريًا على مناطق متفرقة من قطاع غزة، في استمرار لخروقات اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر 2025. استهدفت الضربات شرق مدينة غزة وجنوب القطاع، دون تسجيل إصابات في الغارات الأخيرة، بينما تشير المعطيات الميدانية إلى سقوط مئات الضحايا منذ بدء الخروقات المتكررة للاتفاق.
غارات جوية وقصف بحري شرق مدينة غزة
بدأت الهجمات الإسرائيلية في الساعات الأولى من فجر السبت، عندما قصفت مقاتلات إسرائيلية مواقع متفرقة شرقي حي التفاح شرق مدينة غزة. وتقع هذه المناطق ضمن نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية وفق بنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025.
وأفادت مصادر محلية لوكالة الأناضول أن القصف الجوي تزامن مع إطلاق زوارق حربية إسرائيلية نيرانها باتجاه ساحل مدينة غزة. كما استهدفت المدفعية الإسرائيلية مناطق شمال غرب القطاع بقصف متقطع خلال الفترة نفسها.
وقالت المصادر إن هذه الضربات تأتي ضمن نشاط عسكري متكرر داخل مناطق تقع تحت السيطرة الإسرائيلية بموجب الاتفاق. لكن استمرار القصف الجوي والبحري يثير تساؤلات حول مدى التزام الجيش الإسرائيلي ببنود وقف إطلاق النار.
الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، قال إن استمرار العمليات العسكرية رغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار يعكس هشاشة الترتيبات الميدانية. وأضاف أن الاتفاقات التي تُبرم بعد حروب طويلة غالبًا ما تواجه صعوبات في التطبيق على الأرض.
وأوضح نافعة أن غياب آلية رقابة دولية فعالة يسمح بحدوث خروقات متكررة. كما أن العمليات العسكرية المحدودة قد تُستخدم أحيانًا كوسيلة ضغط ميداني أو سياسي خلال مراحل التهدئة.
قصف في خان يونس وإطلاق نار في البحر
امتد القصف الإسرائيلي إلى جنوب قطاع غزة، حيث شنت المقاتلات الإسرائيلية غارة واحدة على الأقل شرقي مدينة خان يونس. وتقع هذه المناطق أيضًا ضمن نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية وفق ترتيبات وقف إطلاق النار.
وأفادت المصادر المحلية بأن الزوارق الحربية الإسرائيلية أطلقت نيرانها في عرض بحر خان يونس في توقيت متزامن مع القصف الجوي. كما تعرضت المناطق الشرقية للمدينة لقصف مدفعي خلال الفترة نفسها.
ولم تسجل المصادر المحلية أي إصابات بشرية حتى الآن نتيجة هذه الضربات. لكن تكرار العمليات العسكرية في أكثر من موقع داخل القطاع يشير إلى استمرار التوتر الميداني رغم سريان الاتفاق.
اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، قال إن العمليات التي تنفذ داخل مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية قد تكون مرتبطة بعمليات تمشيط أو استهداف مواقع يُشتبه في استخدامها عسكريًا. وأوضح أن مناطق خطوط التماس غالبًا ما تشهد مثل هذه التحركات حتى في فترات التهدئة.
وأضاف فرج أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب تعريف واضح لما يُعد خرقًا مباشرًا للاتفاق. وأشار إلى أن استمرار القصف قد يؤدي إلى تصعيد تدريجي إذا تكررت العمليات في مناطق مأهولة بالسكان.
636 قتيلاً منذ بدء خروقات الاتفاق
تشير المعطيات الميدانية إلى أن خروقات الجيش الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا منذ بدء تطبيق الاتفاق. ووفق البيانات المتاحة حتى مساء الخميس، قُتل 636 فلسطينيًا وأصيب 1704 آخرون نتيجة القصف وإطلاق النار في مناطق متفرقة من قطاع غزة.
وتعكس هذه الأرقام استمرار التوتر الميداني رغم مرور أشهر على دخول الاتفاق حيز التنفيذ. كما تشير إلى أن الهدنة لم تمنع وقوع عمليات عسكرية محدودة داخل مناطق مختلفة من القطاع.
الدكتور أحمد يوسف، الباحث في الشؤون الفلسطينية، قال إن هذه الأرقام تعكس واقعًا ميدانيًا معقدًا. وأضاف أن وقف إطلاق النار في غزة غالبًا ما يكون هشًا بسبب طبيعة الوضع العسكري والأمني داخل القطاع.
وأوضح يوسف أن استمرار سقوط الضحايا يضعف ثقة السكان في الاتفاقات السياسية. كما يزيد من صعوبة تثبيت تهدئة طويلة الأمد دون وجود ضمانات دولية واضحة لتنفيذ بنود الاتفاق.
خلفية الحرب والدمار في قطاع غزة
جاء اتفاق وقف إطلاق النار بعد حرب واسعة استمرت نحو عامين، بدأت في 8 أكتوبر 2023. وأسفرت الحرب عن واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ قطاع غزة الحديث.
ووفق التقديرات المتاحة، أدت الحرب إلى مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني وإصابة نحو 172 ألفًا. كما تسبب القتال في دمار واسع طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية داخل القطاع.
وشمل الدمار آلاف المنازل والمنشآت الخدمية، إضافة إلى أضرار كبيرة في شبكات الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس. كما أدى القتال إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان داخل القطاع.
وقدرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، في ظل واحدة من أصعب الأزمات الإنسانية التي شهدها القطاع خلال العقود الأخيرة.
ويرى مراقبون أن استمرار الخروقات العسكرية رغم سريان وقف إطلاق النار قد يعرقل جهود إعادة الإعمار. كما يزيد من صعوبة استقرار الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة خلال المرحلة المقبلة.

