يرى مصطفى عبد السلام رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"، أن العالم يقف على أعتاب موجة تضخم جديدة قد تكون الأوسع والأكثر تعقيدًا منذ سنوات، مع اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط لتشمل قرابة عشر دول، وهو ما يعني عمليًا انتقال الصراع من مستوى التوتر الإقليمي إلى أزمة اقتصادية عالمية متعددة التأثيرات.

 

العامل الأخطر في هذه المعادلة يتمثل في إغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا للطاقة العالمية. فتعطّل هذا الممر البحري يعني اختناق جزء كبير من صادرات النفط والغاز، وهو ما يقود سريعًا إلى ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة، ومن ثم انتقال العدوى التضخمية إلى بقية القطاعات الاقتصادية.

 

ولا تقف التداعيات عند الطاقة وحدها؛ إذ يتوقع الكاتب أن تؤدي الحرب إلى تعطل حركة الطيران والسياحة الدولية، إضافة إلى ارتفاع كبير في الإنفاق العسكري لدى الدول، وهو ما يحدث غالبًا على حساب القطاعات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم.

 

هذه التطورات تضغط على كل مستويات الاقتصاد:

 

  • المستهلك الذي يعاني أصلًا من ارتفاع كلفة المعيشة.

 

  • الحكومات التي تواجه موازنات مضغوطة.

 

  • البنوك المركزية التي قد تجد نفسها أمام موجة تضخمية جديدة.

 

وتزداد حدة التأثير في الدول العربية المستوردة للطاقة مثل مصر والأردن والمغرب وتونس وغيرها، إذ تتحمل هذه الدول عبئًا مضاعفًا نتيجة ارتفاع فاتورة الاستيراد وتراجع قيمة العملات.

 

تضخم مركّب: الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد في دائرة الخطر

 

يؤكد المقال أن موجة التضخم المتوقعة لن تكون تقليدية، بل تضخمًا مركّبًا ناتجًا عن عدة صدمات متزامنة.

 

فالأسواق العالمية قد تشهد ارتفاعًا في أسعار:

 

  • النفط والغاز ومشتقات الوقود

 

  • الغذاء والقمح

 

  • الأدوية والمواد الخام

 

  • السلع الوسيطة ومدخلات الإنتاج

 

  • الأسمدة والإلكترونيات

 

  • خدمات النقل والشحن والتأمين

 

ويضيف الكاتب أن تكدس السفن في الخليج العربي نتيجة المخاطر الأمنية سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وهو عامل تضخمي مهم لأنه ينعكس على أسعار معظم السلع في الأسواق العالمية.

 

ولإيضاح حجم الصدمة المحتملة، يشير المقال إلى أن الأسواق الغربية بدأت بالفعل تلمس آثارها الأولية. ففي الولايات المتحدة ارتفعت أسعار الوقود بشكل حاد، حيث وصل سعر الديزل إلى أربعة دولارات للغالون، وهو ما يمثل أكبر قفزة يومية في أسعار الطاقة منذ إعصار كاترينا عام 2005.

 

هذا الارتفاع يضرب مباشرة ميزانيات الأسر، خصوصًا ذات الدخل المتوسط والمنخفض، لأن الوقود عنصر أساسي في تكلفة النقل والإنتاج والزراعة. ومع زيادة تكلفة الديزل تحديدًا، ترتفع أسعار النقل البحري والبري، وهو ما يؤدي في النهاية إلى زيادة أسعار جميع السلع تقريبًا.

 

كما أن ارتفاع الوقود قد يدفع المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة، ما يهدد بدوره موجة ارتفاع جديدة في أسعار الغذاء.

 

النفط عند 200 دولار.. والاقتصاد العالمي أمام اختبار قاسٍ

 

في أوروبا يتكرر المشهد نفسه، حيث قفزت أسعار الغاز الطبيعي إلى مستويات عام 2022، وهي السنة التي شهدت أزمة الطاقة بعد الحرب الروسية الأوكرانية.

 

ويزداد الموقف تعقيدًا بسبب عاملين إضافيين:

 

  1. خطة الاتحاد الأوروبي للتخلي الكامل عن الغاز الروسي.

 

  1. توقف إمدادات الغاز الإسرائيلي بعد إغلاق حقول شرق المتوسط مثل تمار وليفياثان بسبب التوترات الأمنية.

 

وفي الوقت نفسه، شهدت الأسواق العالمية اضطرابًا إضافيًا بعد وقف قطر إنتاج وتصدير الغاز المسال مؤقتًا، وهو قرار ذو تأثير كبير لأن قطر تعد ثاني أكبر مصدر للغاز المسال في العالم بعد الولايات المتحدة وتوفر نحو 20% من الإمدادات العالمية.

 

أما النفط، فيتوقع الكاتب أن يقفز إلى مستويات قد تتراوح بين 150 و200 دولار للبرميل، وهو ما يمثل صدمة اقتصادية ضخمة لكل الدول المستوردة للطاقة.

 

هذا المستوى من الأسعار يؤدي إلى عدة تداعيات خطيرة:

 

  • تعميق عجز الموازنات العامة

 

  • ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل

 

  • زيادة الضغوط على العملات الضعيفة

 

  • توسع الدول في الاقتراض الخارجي

 

ويضرب الكاتب مثالًا بألمانيا التي قد تتكبد خسائر تتراوح بين 40 و80 مليار يورو إذا استمرت الأسعار عند هذه المستويات.

 

قراءة ختامية: التضخم يعود.. والبنوك المركزية إلى المربع الأول

 

يشير المقال إلى أن الاقتصاد العالمي لم يتعافَ بالكامل بعد من الأزمات السابقة، سواء من آثار جائحة كورونا أو الحرب الروسية الأوكرانية أو الحروب التجارية التي اندلعت في السنوات الأخيرة.

 

ومع اندلاع حرب واسعة مع إيران، فإن العالم قد يواجه صدمة تضخمية جديدة تعيد البنوك المركزية إلى سياسات التشدد النقدي، أي رفع أسعار الفائدة مجددًا، وهو ما يبطئ النمو الاقتصادي ويضغط على الاستثمارات.

 

كما يحذر الكاتب من أن هذه الأزمة قد تعيد التضخم بقوة إلى الاقتصاد الأميركي نفسه، وهو ما قد يعرقل خطط الإدارة الأميركية الرامية إلى خفض الفائدة وتحفيز النمو.

 

وفي أوروبا، حذر البنك المركزي الأوروبي بالفعل من صدمة تضخمية محتملة إذا طال أمد الحرب، خصوصًا مع هشاشة التعافي الاقتصادي في منطقة اليورو.

 

وبذلك يصبح الاقتصاد العالمي أمام معادلة شديدة الحساسية:

 

حرب طويلة تعني تضخمًا أعلى، ونموًا أبطأ، وضغوطًا أكبر على المواطن والاقتصادات معًا.