تشهد الساحة السودانية تصعيداً عسكرياً وأمنياً متسارعاً، مع اتساع رقعة المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع الإرهابية المدعومة من الإمارات، وتزايد الهجمات بالطائرات المسيّرة، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية بصورة غير مسبوقة، سواء داخل البلاد أو على حدودها، وسط تحذيرات أممية من اتساع دائرة الحرب وارتفاع أعداد الضحايا.

 

قصف المستشفى البريطاني في الأبيض.. إصابات بين المرضى والكوادر الطبية

 

في تطور خطير يعكس تصاعد استهداف المرافق المدنية، أعلنت شبكة أطباء السودان إصابة 12 شخصاً، بينهم 5 من الكوادر الطبية، جراء قصف بطائرة مسيّرة استهدف المستشفى البريطاني في مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان.

 

وأوضحت الشبكة أن بعض الإصابات وُصفت بالخطيرة، مشيرة إلى أن الهجوم وقع أثناء أداء الطواقم الطبية لواجبها المهني داخل المستشفى، ما تسبب في حالة من الهلع بين المرضى ومرافقيهم، وهدد بتوقف عدد من الأقسام الحيوية عن العمل.

 

وأدانت الشبكة ما وصفته بـ"الاعتداء السافر" على منشأة طبية مدنية، معتبرة أن استهداف المستشفيات يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني الذي يضمن حماية المرافق الصحية والعاملين فيها. كما حذرت من أن تكرار مثل هذه الهجمات يقوّض الجهود الإنسانية ويعرض حياة آلاف المدنيين، بينهم نازحون، لخطر مضاعف في مدينة تستضيف أكثر من مليون متضرر من الحرب.

 

وطالبت المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بالتحرك العاجل لتوفير حماية فعالة للمؤسسات الصحية والضغط لوقف استهدافها، في ظل اعتماد شريحة واسعة من السكان على هذه المرافق كمصدر وحيد للرعاية الصحية.

 

هجمات متواصلة بالمسيّرات واستهداف منشآت حيوية

 

مصادر محلية في الأبيض أفادت بأن الهجمات بالطائرات المسيّرة تواصلت لليوم الرابع على التوالي، مستهدفة منشآت مدنية وخدمية.

 

ووفقاً للمصادر، طالت الضربات الميناء البري، ما أدى إلى خسائر في الحافلات ومكاتب شركات النقل، كما استهدفت المنطقة الصناعية ودمرت عدداً من الورش، إضافة إلى قصف طال جامعة كردفان للمرة الثانية خلال أقل من شهر، وألحق أضراراً ببعض القاعات الدراسية.

 

في المقابل، نشر جنود من الجيش السوداني مقاطع مصورة قالوا إنها توثق إسقاط عدد من الطائرات المسيّرة التي حاولت استهداف المدينة منذ نهاية الأسبوع الماضي، في مؤشر على احتدام المواجهة الجوية وتزايد الاعتماد على هذا النوع من السلاح في العمليات العسكرية.

 

اتهام مباشر لإثيوبيا بخرق الأجواء

 

على صعيد إقليمي، صعّدت الحكومة السودانية لهجتها تجاه إثيوبيا، متهمة إياها بخرق الأجواء السودانية عبر طائرات مسيّرة انطلقت من داخل أراضيها خلال شهري فبراير ومطلع مارس.

 

وقالت وزارة الخارجية السودانية إن هذه التحركات تمثل "انتهاكاً سافراً لسيادة السودان وعدواناً صريحاً على الدولة"، محذرة السلطات الإثيوبية من مغبة الاستمرار في هذا النهج، ومؤكدة احتفاظ الخرطوم بحقها في الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها "بالطرق والوسائل المختلفة".

 

ويُعد هذا الاتهام الأول من نوعه الذي يوجَّه بشكل مباشر إلى أديس أبابا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ما يثير مخاوف من انزلاق الصراع إلى أبعاد إقليمية أوسع، في ظل تقارير سابقة تحدثت عن دعم خارجي لأطراف النزاع.

 

معارك في جنوب كردفان.. وتقدم ميداني متبادل

 

ميدانياً، أعلنت الحركة الشعبية شمال – جناح عبد العزيز الحلو – استعادة السيطرة، بدعم من قوات الدعم السريع، على حاميات عسكرية في منطقتي "كيقا جرو" و"الكويك" على الطريق الرابط بين الدلنج وكادقلي في ولاية جنوب كردفان.

 

وقالت الحركة إن العملية تأتي ضمن تحركات ميدانية شهدها محور الدلنج وأسفرت عن تقدم في عدد من المواقع الاستراتيجية، معتبرة أن السيطرة على تلك الحاميات تمثل إعادة تموضع في مناطق حيوية.

 

غير أن الجيش السوداني أعلن في وقت سابق تمكنه من صد هجوم شنته قوات الحركة الشعبية والدعم السريع على مدينة الدلنج، ما يعكس حالة الكر والفر وتبدل السيطرة على بعض المواقع بين الحين والآخر.

 

كارثة إنسانية تتعمق.. مخيمات تحترق ومطابخ تُستهدف

 

إنسانياً، تزداد الأوضاع سوءاً في إقليم دارفور، حيث أعلنت منسقية النازحين اندلاع حريق هائل في مخيم "كلمة" بولاية جنوب دارفور، ما أدى إلى تدمير أكثر من ألف مأوى وتشريد آلاف العائلات، إضافة إلى إصابة امرأة.

 

وأرجعت المنسقية سرعة انتشار النيران إلى ضيق الممرات وكثافة المساكن المبنية من مواد سريعة الاشتعال، مشيرة إلى أن آلاف الأسر باتت بلا مأوى أو غذاء، في ظل محدودية الاستجابة الإنسانية.

 

في السياق ذاته، يحذر مسؤولون أمميون من استهداف العاملين في المطابخ الخيرية التي باتت شريان حياة للمدنيين في مناطق القتال، خاصة في دارفور. وتشير بيانات أمن عمال الإغاثة إلى مقتل أكثر من 100 من العاملين في هذه المبادرات منذ اندلاع الحرب، وسط صعوبات كبيرة في توثيق جميع الحالات بسبب تدهور الوضع الأمني.

 

نزوح ولجوء بملايين.. ليبيا وجهة رئيسية

 

ومع استمرار القتال، تتواصل موجات النزوح واللجوء. فقد أعلنت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تسجيل دخول أكثر من 552 ألف لاجئ سوداني إلى ليبيا منذ أبريل 2023 وحتى نهاية 2025، بينهم مئات الآلاف عبر مدينة الكفرة جنوب شرقي البلاد.

 

وأكدت المفوضية صعوبة حصر الأعداد بدقة بسبب الطابع غير النظامي لحركة العبور واتساع الحدود، فيما يواجه اللاجئون تحديات كبيرة تتعلق بالمأوى والرعاية الصحية والتعليم، إضافة إلى تعقيدات قانونية تحول دون حصول كثيرين على وثائق رسمية.