تحرّك أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، السبت 28 فبراير 2026، داخل استديوهات القناة الأولى والنيل للأخبار والنيل الدولية «نايل تي في»، في توقيت تشهد فيه المنطقة حربًا مشتعلة دفعت التلفزيون المصري لتغيير خريطة برامجه. الزيارة لم تكن بروتوكولية. بل رسالة مباشرة بشأن السياسة التحريرية وإدارة الشاشة في لحظة توتر إقليمي.

 

المسلماني التقى بأسرة التحرير في القنوات الثلاث. وتحدث بوضوح عن ضوابط التغطية وأولويات البث في ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط. تغيير الخريطة البرامجية جاء استجابة للتطورات المتسارعة. نشرات ممتدة. وتحليلات مكثفة. وتقليص للمحتوى الترفيهي.

 

الخبير الإعلامي ياسر عبدالعزيز يرى أن “اختبار الأزمات هو المعيار الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية عامة. تغيير الخريطة خطوة طبيعية. لكن التحدي في عمق المعالجة، وتعدد المصادر، وتقديم تغطية مهنية لا تكتفي بالبيانات الرسمية”.

 

سياسة تحريرية في زمن الحرب

 

زيارة استديوهات الأخبار تزامنت مع تصاعد العمليات العسكرية في الإقليم. التليفزيون الرسمي وجد نفسه أمام حدث ضخم يفرض إعادة ترتيب الأولويات. المسلماني شدد، وفق مصادر داخل ماسبيرو، على ضرورة الالتزام بالمعايير المهنية وتكثيف الحضور الميداني والتحليلي.

 

التحول في السياسة التحريرية لا ينفصل عن صورة الإعلام الرسمي خلال السنوات الماضية. نسب المشاهدة تراجعت لصالح منصات خاصة ورقمية. لذلك فإن أي تغطية استثنائية تمثل فرصة لاستعادة ثقة الجمهور أو تكريس الفجوة القائمة.

 

الدكتورة ليلى عبدالمجيد، أستاذة الإعلام، تقول إن “الحرب تخلق طلبًا مرتفعًا على المعلومات. إذا لم تقدم الشاشة الرسمية محتوى سريعًا ودقيقًا، سيتجه الجمهور إلى بدائل أخرى. المنافسة اليوم ليست بين قنوات فقط، بل بين التلفزيون ومنصات رقمية تبث على مدار 24 ساعة”.

 

المسلماني كان قد عقد قبل ذلك اجتماعًا لتطوير قناة النيل الثقافية، بحضور قيادات بارزة من قطاعات الأخبار والهندسة والقنوات المتخصصة، إضافة إلى رئيسة القناة سها النقاش ومسؤولين آخرين بماسبيرو. الاجتماع عكس مسارًا مزدوجًا. إدارة أزمة حالية. وإعادة هيكلة بعيدة المدى.

 

«عودة ماسبيرو» وتطوير النيل الثقافية

 

رئيس الهيئة تحدث عن أن استعادة قوة الإعلام الثقافي تمثل ركيزة أساسية في مشروعه الأكبر الذي أطلق عليه «عودة ماسبيرو». وأشاد بدور قناة النيل الثقافية في تغطية معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 يوميًا على الهواء، بعد انقطاع استمر 6 سنوات عن التغطية المباشرة.

 

الانقطاع الطويل عن حدث ثقافي بحجم معرض الكتاب كان أحد مؤشرات التراجع. العودة إلى البث المباشر خطوة تصحيحية. لكنها تطرح سؤالًا عن استدامة التطوير، وليس الاكتفاء بتغطيات موسمية.

 

من المقرر بدء العمل في تطوير استديو قناة النيل الثقافية خلال شهر رمضان. كما يجري تشكيل فريق عمل لوضع خطة لإثراء المحتوى ودعم الثقافة الوطنية. الهدف المعلن هو تعزيز الدور المعرفي لماسبيرو.

 

الناقد الثقافي الدكتور جابر عصفور السابق كان يشير دائمًا إلى أن “الإعلام الثقافي ليس رفاهية. بل جزء من تشكيل الوعي العام”. ويرى خبراء أن استعادة هذا الدور تتطلب ميزانيات واضحة وخططًا إنتاجية مستدامة، لا مجرد تحديث استديو أو تغيير ديكور.

 

منصة رقمية وإعادة هيكلة مالية

 

المسلماني أعلن كذلك بدء الإعداد لإطلاق منصة رقمية خاصة بماسبيرو، لتعظيم الاستفادة من الرصيد الإعلامي والتاريخي الذي تمتلكه الهيئة. الإعلان جاء خلال اجتماع عقده رئيس الوزراء مصطفى مدبولي لمتابعة كفاءة أداء الهيئات الاقتصادية.

 

التحرك نحو منصة رقمية يعكس إدراكًا لتحول الجمهور نحو المشاهدة عبر الإنترنت. أرشيف ماسبيرو يمتد لعقود. لكنه ظل غير مستثمر بالشكل الكافي. تحويله إلى محتوى رقمي مدفوع أو مجاني قد يفتح مصدر دخل جديد.

 

في السياق ذاته، أوضح المسلماني أن الهيئة تعمل على إصلاح شركة صوت القاهرة ووكالتها الإعلانية، ضمن مسار لإعادة الهيكلة المالية والإدارية. كما استعرض خطوات دمج بعض القنوات وتطوير أخرى لمواكبة التحولات في المشهد الإعلامي.

 

الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس يرى أن “إصلاح الهياكل المالية لماسبيرو شرط أساسي لأي تطوير مهني. الحديث عن منصة رقمية أو محتوى ثقافي لن ينجح إذا لم تُعالج الخسائر المتراكمة ومشكلات الإدارة والإعلان”.

 

دمج القنوات خطوة تحمل بعدين. تقليل النفقات. وإعادة توجيه الموارد. لكن نجاحها يعتمد على وضوح الرؤية التحريرية، وعدم الاكتفاء بتقليص العدد دون تحسين الجودة.

 

حتى 28 فبراير 2026، يبدو أن المسلماني يتحرك على مسارين متوازيين. إدارة تغطية حرب إقليمية تفرض نفسها على الشاشة. وإطلاق مشروع إصلاحي تحت عنوان «عودة ماسبيرو». الاختبار الحقيقي لن يكون في الاجتماعات والزيارات. بل في قدرة التليفزيون الرسمي على استعادة جمهور فقد الثقة، وسط سوق إعلامي مزدحم ومنافسة رقمية لا تهدأ.