يرصد سوق الصرف في مصر إشارات توتر جديدة مع اتساع الحرب على إيران وارتفاع المخاطر الجيوسياسية عالميًا. الخوف الأساسي يدور حول خروج سريع للأموال الساخنة من أدوات الدين، وما يترتب عليه من ضغط مباشر على الجنيه. الخبير الاقتصادي د. إسلام جمال الدين توقع تحركات “سريعة” للدولار مقابل الجنيه، وربطها باستمرار القلق في الأسواق وخروج الاستثمارات قصيرة الأجل.
توقعات صعود قريبة.. والشرارة من الخارج لكن الفاتورة محلية
في تصريحات خاصة، قال إسلام جمال الدين إن الدولار قد يرتفع بنحو 0.50 جنيه “في تعاملات الغد” إذا استمرت حالة القلق. وذهب إلى أبعد من ذلك حين توقع وصول السعر إلى 52 جنيهًا خلال أيام أو أسابيع إذا طال أمد الحرب. طرحه يركز على عاملين: مدة التصعيد وحجم التدفقات الخارجة من أدوات الدين والسوق المالية المصرية.
هذا السيناريو يجد أرضًا خصبة في سوق شديد الحساسية لأي صدمة خارجية. فخروج الأموال الساخنة لا يحتاج قرارًا سياسيًا مصريًا كي يبدأ. يكفي تبدل شهية المخاطرة عالميًا. المستثمر الأجنبي يضغط زر البيع ثم يغادر. ثم يظهر الأثر فورًا في سعر الصرف وتكلفة الاستيراد وتوقعات التضخم.
البيانات الرسمية للبنك المركزي تعطي سياقًا رقميًا واضحًا لحركة الدولار الأخيرة. موقع البنك المركزي سجل في 26 فبراير 2026 متوسطًا يقارب 47.8562 للشراء و47.9955 للبيع. هذه الأرقام تضع أي قفزة فوق 48 في خانة “اختبار نفسي” للسوق، لأنها تعيد الحديث عن موجة صعود جديدة.
48 جنيهًا كنقطة حساسة.. و45 مليار دولار “قابلة للحركة” في يومين
الدولار بلغ ذروته عند 48.02 جنيه للبيع في تعاملات الأربعاء 25 فبراير 2026 قبل أن يتراجع لاحقًا، وفق تغطية صحفية محلية. هذا النطاق الضيق يكشف هشاشة الاتزان الحالي. أي خبر سيئ جديد قد يدفع المضاربين والمستوردين لتسعير “الأسوأ” مقدمًا.
وفق تقدير تداوله أكثر من مصدر صحفي، بلغت استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية نحو 45 مليار دولار، وهو رقم يصفه اقتصاديون بأنه “أموال ساخنة” لأن جزءًا كبيرًا منه سريع الدخول وسريع الخروج. استمرار الحرب يرفع احتمال الانسحابات، حتى لو بدأت بأرقام محدودة ثم تتسارع مع موجات الذعر.
هنا يأتي رأي د. فخري الفقي رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، الذي حذر مرارًا في نقاشات عامة من الاعتماد المفرط على التدفقات القصيرة الأجل، لأنها تعطي تمويلًا سريعًا لكنها تترك الاقتصاد مكشوفًا عند أول صدمة خارجية. هذا التحذير يصبح عمليًا حين تتحول الحرب إلى عامل تسعير يومي للعملة.
أما الخبير الاقتصادي هاني توفيق فيركز عادة على زاوية “الثقة” وسلوك السوق. في تقديراته المتكررة، أي ضغط على العملة لا يتوقف عند الدولار فقط، بل يمتد إلى توقعات المواطنين والتجار. وحين ترتفع التوقعات، تزداد الدولرة والتحوط، فيدخل السوق في دائرة ضغط ذاتي حتى لو كانت الصدمة الأساسية خارجية.
ما الذي سيدفعه المواطن؟ تضخم مستورد ومساحة أضيق للسياسة الاقتصادية
الانعكاس الأول لأي صعود للدولار يظهر في السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج. مصر تستورد جزءًا معتبرًا من احتياجاتها الصناعية والغذائية والدوائية. أي زيادة في الدولار تعني ارتفاع فاتورة الاستيراد بالجنيه. ثم تنتقل الزيادة إلى أسعار البيع. ثم يتحول الضغط إلى مستوى معيشة. هذه سلسلة مباشرة لا تحتاج تفسيرًا طويلًا.
د. طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية يلفت عادة إلى أن الأزمات الجيوسياسية تغيّر شروط التمويل الخارجي قبل أن تغيّر شروط التجارة. المستثمر يرى المخاطر أولًا. ثم يطلب عائدًا أعلى. أو ينسحب. وفي الحالتين، تصبح تكلفة الاقتراض أعلى، ويصبح الدفاع عن العملة أصعب، خاصة مع التزامات خدمة الدين واحتياجات الاستيراد.
ضمن هذا المشهد، تصبح خيارات الدولة أضيق: إما ترك السوق يمتص الصدمة مع تقلبات أعلى، أو استخدام أدوات نقدية واحترازية قد تزيد كلفة التمويل محليًا. وفي كل الأحوال، تبقى النتيجة الأساسية واحدة: المواطن يدفع في الأسعار، والقطاع الخاص يدفع في التكلفة، والاستثمار الحقيقي يتباطأ إذا طال عدم اليقين.
الخلاصة أن توقعات إسلام جمال الدين بصعود الدولار ليست “تخويفًا” بقدر ما هي قراءة لسلوك الأموال الساخنة تحت الضغط، في لحظة حرب مفتوحة. الأرقام الرسمية الأخيرة تُظهر أن الدولار قريب أصلًا من حدود حساسة. ومع أي نزيف جديد للتدفقات، قد يصبح 52 رقمًا مطروحًا في السوق أسرع مما يتوقع كثيرون.

