بعد شهور من التحسن النسبي في أداء الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، عاد سعر الصرف إلى مسار هبوطي ملحوظ خلال الأيام الأخيرة، رغم التراجع العالمي للدولار أمام اليورو والين والفرنك السويسري. ويعكس هذا التباين خصوصية الوضع المصري، حيث يتأثر السوق المحلي بعوامل داخلية وتدفقات رأسمالية قصيرة الأجل، أكثر من تأثره بالاتجاهات العالمية.
فخلال أسبوع واحد، فقد الجنيه نحو 76 قرشًا أمام الدولار، متأثرًا بزيادة الطلب على العملة الأمريكية في أعقاب تخارج جزئي لبعض المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المحلية، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية واحتمالات توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران. وواصلت العملة المحلية التراجع في تعاملات الأحد لتسجل 47.74 جنيه للشراء و47.88 للبيع، فاقدة بذلك المكاسب التي حققتها منذ مطلع عام 2026.
وسجل الدولار في بنكي الأهلي ومصر 47.75 جنيه للشراء و47.85 للبيع، مقارنة بـ47.47 و47.57 جنيهًا في نهاية الأسبوع السابق، في تحرك سريع أعاد إلى الأذهان حساسية سوق الصرف المصري تجاه تدفقات المحافظ الاستثمارية.
تقلبات سوق الصرف وتأثير التخارج الأجنبي
رغم أن العملة المصرية أنهت العام الماضي على أداء قوي بارتفاع نسبته 6.7% أمام الدولار، مدعومة بقفزة قياسية في تحويلات المصريين بالخارج بلغت نحو 37.5 مليار دولار خلال 11 شهرًا، فإن التطورات الأخيرة كشفت استمرار هشاشة الاستقرار النقدي.
سوق الإنتربنك بين البنوك المحلية شهد قفزة لافتة في حجم التعاملات بنسبة 110% خلال أسبوع واحد لتصل إلى نحو ملياري دولار، في إشارة إلى تصاعد الطلب على العملة الصعبة. كما تراجعت البورصة المصرية بنسبة 2.1% مع بداية الأسبوع، في ظل موجة جني أرباح وقلق استثماري مرتبط بالتوترات الإقليمية.
ويرى محللون أن هذه التحركات لا تعكس أزمة مكتملة الأركان بعد، لكنها تحمل إشارات تحذيرية، إذ أن استقرار سعر الصرف لا يزال مرتبطًا بتدفقات “الأموال الساخنة” الباحثة عن عائد مرتفع في أدوات الدين قصيرة الأجل، وهي استثمارات سريعة الخروج عند أول إشارة اضطراب.
الاحتياطي النقدي بين الطمأنة والمخاوف
أعلن محافظ البنك المركزي أن صافي الاحتياطيات الدولية بلغ 52.6 مليار دولار في يناير الماضي، وهو مستوى يمنح قدرًا من الاطمئنان على المدى القصير. كما تؤكد الحكومة أن الأموال الساخنة ليست محسوبة ضمن الاحتياطي الرسمي.
غير أن بعض المحللين يطالبون بمزيد من الشفافية بشأن مكونات الاحتياطي، محذرين من أن الاعتماد الكبير على استثمارات المحافظ الأجنبية يظل مصدر قلق هيكلي. فقد بلغ رصيد استثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلية نحو 40 مليار دولار بنهاية العام الماضي، فيما تجاوزت مبيعات أدوات الدين 9.5 تريليون جنيه.
التجربة التاريخية تدعم هذه المخاوف؛ إذ شهدت مصر خروج نحو 15 مليار دولار في 2018، ثم 20 مليارًا خلال جائحة كورونا، قبل أن تفقد 22 مليار دولار دفعة واحدة مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. هذه الصدمات أدت حينها إلى تراجع حاد في قيمة الجنيه وارتفاع التضخم، واضطرت البلاد للجوء مجددًا إلى صندوق النقد الدولي.
ورغم أن التخارج الأخير المقدّر بنحو 300 مليون دولار يمثل أقل من 1% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين، فإن الخطر لا يكمن في الرقم المطلق، بل في احتمالية تحوله إلى موجة أوسع بفعل “سلوك القطيع” إذا اهتزت الثقة.
التوترات الإقليمية وتكلفة السيناريو الأسوأ
تزامن تراجع الجنيه مع تصاعد الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة واحتمالات مواجهة مع إيران، وهو ما يثير مخاوف من موجة جديدة لخروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر.
أي تصعيد عسكري قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، ما يزيد فاتورة الواردات المصرية، ويضغط على ميزان المدفوعات. وفي حال تسارع التخارج، قد يضطر البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة مجددًا لجذب الاستثمارات، وهو ما يفاقم أعباء خدمة الدين العام، التي تلتهم بالفعل نحو 80% من الإيرادات و50% من المصروفات العامة، في ظل دين عام يقترب من 377.8 مليار دولار.
كما أن أي ضغط على الاحتياطي قد يؤدي إلى زيادة تكلفة الاستيراد، ومن ثم ارتفاع الأسعار محليًا، بما ينعكس مباشرة على مستويات التضخم والمعيشة، خاصة في بلد يتجاوز عدد سكانه 108 ملايين نسمة.
صندوق النقد: أمان مؤقت أم حل جذري؟
يأتي هذا المشهد في وقت يُنتظر فيه الإفراج عن شريحتين جديدتين من قرض صندوق النقد الدولي بقيمة تقارب 2.5 مليار دولار، إضافة إلى تمويل من برنامج الصلابة والاستدامة. ومن شأن هذه التدفقات أن توفر سيولة قصيرة الأجل وتعزز الثقة في استمرار برنامج الإصلاح.
لكن اقتصاديين يرون أن هذه الموارد تمثل “شبكة أمان مؤقتة” أكثر من كونها علاجًا جذريًا. فالتحدي الأساسي لا يزال يتمثل في تعزيز الإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات، وتحسين مصادر النقد الأجنبي المستدامة مثل السياحة والصناعة، بدل الاعتماد المفرط على أدوات الدين قصيرة الأجل.
الخلاصة أن مصر لا تواجه حتى الآن أزمة دولارية مكتملة، لكنها تقف أمام مجموعة من المخاطر الحقيقية. الاعتماد الواسع على الأموال الساخنة يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات الخارجية، خاصة في بيئة إقليمية مضطربة. وبينما يوفر الاحتياطي والدعم الدولي هامش حركة، يبقى الاستقرار الحقيقي رهينًا بإعادة هيكلة أعمق لمصادر النمو والنقد الأجنبي، بعيدًا عن تقلبات الجغرافيا السياسية وأسواق المال السريعة.

