مشروع موازنة 2025/2026 يضع الضرائب في قلب تمويل الدولة. المستهدف إيرادات عامة تتجاوز 3 تريليونات جنيه، منها نحو 2.65 تريليون جنيه إيرادات ضريبية تمثل قرابة 84% من موارد الخزانة، وبزيادة تقارب 31% عن العام السابق. هذا المسار يراهن على توسيع القاعدة وتعديل ضريبة القيمة المضافة، مع وعود بعدم المساس بإعفاءات السلع الأساسية والخدمات الحيوية.

 

ماذا تقول الأرقام وما أدوات التحصيل؟

 

وفق بيانات منشورة عن مشروع الموازنة، ترتفع تقديرات ضريبة الدخل إلى نحو 1.44 تريليون جنيه، بينما تقفز تقديرات الضرائب على القيمة المضافة إلى نحو 967.94 مليار جنيه. وزارة المالية تربط الزيادة بخطة ضم الاقتصاد غير الرسمي، وزيادة الحصر، ومحاربة التهرب، وميكنة الإجراءات، وربط الحصيلة بالنشاط الاقتصادي.

 

على جانب ضريبة القيمة المضافة، تؤكد وزارة المالية ومصلحة الضرائب أن التعديلات «محدودة» وأنه لا زيادة في السعر العام للضريبة، ولا مساس بإعفاءات الغذاء والصحة والتعليم. وتعرض المصلحة كأمثلة: إخضاع المقاولات للسعر العام بدل 5% مع السماح بخصم مدخلات الضريبة، وفرض 1% على الوحدات الإدارية بالمراكز التجارية، وفرض 10% على البترول الخام، وتعديل شرائح السجائر والضريبة على المشروبات الكحولية.

 

رشا عبد العال، رئيس مصلحة الضرائب المصرية، تربط التوجه بحزمة «إصلاحات شاملة» هدفها جذب الاستثمار وتحقيق العدالة ودمج الاقتصاد غير الرسمي، مع توسيع الخدمات الرقمية والتيسير على الممولين. هذا هو الخطاب الرسمي الذي يسوّق التوسيع باعتباره إصلاحًا في الإدارة وليس مجرد رفع عبء.

 

الاستثمار بين توسيع القاعدة وعدم اليقين

 

مخاوف الاستثمار تبدأ من السيولة. توسع الضرائب غير المباشرة، خصوصًا القيمة المضافة، يرفع التكلفة التشغيلية على الشركات التي تعتمد على سلاسل توريد وخدمات خاضعة للضريبة، ويضغط على الهوامش والقدرة على التمويل. ومع ضم ممولين صغار ومتوسطين دون تبسيط حقيقي، قد يتحول جزء منهم إلى تقليص النشاط أو العودة للتهرب بدل التوسع.

 

عامل آخر هو عدم اليقين. تواتر التعديلات الضريبية يرسل إشارة سلبية للمستثمر طويل الأجل. الفكرة ليست في الزيادة وحدها، بل في قابلية القواعد للتغير بسرعة، وما ينتج عنه من مخاطر تسعير وتمويل أعلى. في هذا السياق، تُثار أيضًا قضية المنافسة غير المتكافئة، لأن الشركات الكبيرة أقدر على نقل عبء الضريبة للأسعار أو الاستفادة من ثغرات وإعفاءات مقارنة بصغار المستثمرين.

 

فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، أشار إلى أن الحصيلة المستهدفة من القيمة المضافة داخل الموازنة تقترب من 1.1 تريليون جنيه، ما يعكس مركزية هذه الضريبة في تمويل الدولة، ويعني أن أي تعديل في نطاقها سيترك أثرًا واسعًا على بيئة الأعمال.

 

الأسعار والفقراء: من يتحمل العبء؟

 

بحكم طبيعتها، تنتقل القيمة المضافة إلى المستهلك النهائي، خاصة عند توسيع قائمة السلع والخدمات الخاضعة. وفي اقتصاد يعاني أصلًا من تضخم وتكاليف إنتاج مرتفعة، يصبح الخطر أن تتحول التعديلات إلى موجة غلاء إضافية في خدمات وسلع شبه أساسية مثل النقل والتعبئة. هذا ما يجعل النقاش يدور حول «من يدفع» وليس فقط «كم ستجبي الدولة».

 

الخبير الاقتصادي أحمد خزيم، رئيس منتدى التنمية والقيمة المضافة، ينتقد ما يسميه «سياسة الجباية»، ويربط توسع الضرائب والرسوم بالعجز المزمن ووزن خدمة الدين داخل الموازنة. ويؤكد أن الضرائب غير المباشرة ترفع الأسعار مباشرة على المواطن، حتى لو قيل إن الإعفاءات الأساسية باقية.

 

في المقابل، ترى الخبيرة المصرفية سحر الدماطي أن التعديلات قد تُقدَّم كإجراء «ضروري» لسد العجز المالي في ظل اتساع الاقتصاد غير الرسمي وصعوبة تعظيم موارد بديلة بسرعة. لكنها تتوقع أيضًا أن يتحمل المستهلك العبء في النهاية، وتحذر من تضخم بند الفوائد الذي يدفع الدولة لتكرار اللجوء إلى أدوات تزيد الضغط على المواطنين.

 

محصلة الجدل أن توسيع القاعدة ليس مشكلة في ذاته، إذا توازن مع هيكل أكثر عدالة يعتمد بصورة أكبر على الضرائب المباشرة التصاعدية على الدخول والأرباح والريع، ويقلل الاعتماد على ضرائب الاستهلاك. من دون ذلك، سيبقى الأثر المباشر هو تآكل الدخول الحقيقية للأجور والمعاشات، وزيادة هشاشة الطبقة الوسطى الدنيا، مع خطر توتر اجتماعي وتراجع الثقة كلما شعر الناس أن التمويل يأتي من «جيبهم» دون إصلاح موازٍ وشفاف.