يتناول الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه فقه الصيام التأكيد على أن صيام رمضان فريضة قطعية وركن عملي من أركان الإسلام، ثابت بالقرآن والسنة والإجماع، وأن إنكار فرضيته كفر وخروج عن الدين، مع استثناء من جهل حديث العهد بالإسلام حتى يتعلم، ويبيّن أن الصوم شُرع في المدينة في السنة الثانية للهجرة بعد استقرار العقيدة وقيام جماعة المسلمين، وأن النبي ﷺ صام 9 رمضانات.
كما يوضح منهج التدرج في التشريع؛ فالصوم مرّ بمرحلة تخيير المطيق بين الصيام والفدية، ثم مرحلة الإلزام بنسخ التخيير، مع رخصة الإفطار للمريض والمسافر، ثم تخفيف أحكام الليل بإباحة الأكل والشرب والجماع حتى تبين الفجر بعد أن كان ذلك ممنوعًا بعد النوم أو صلاة العشاء.

 

ويشرح العلامة حكمة فرض الصوم شهرًا قمريًا؛ لأن التوقيت القمري هو المعتبر في الشرع، ولأنه طبيعي مرتبط برؤية الهلال، ولأن تنقله بين الفصول يحقق توازنًا بين الحر والبرد وطول النهار وقصره، ويُظهر طاعة المسلم في كل الأحوال. كما يبيّن أن الشهر القمري لا يكون إلا 29 أو 30 يومًا، وأن الأجر لا ينقص بنقص عدد الأيام، مستشهدًا بحديث «شهران لا ينقصان، رمضان وذو الحجة»، وأن النبي ﷺ صام 29 أكثر مما صام 30.

 

وجاء نص ما كتبه فضيلته كما يلي:

 

صيام رمضان فريضة مقدسة وعبادة من عبادات الإسلام الشعائرية الكبرى، وركن من الأركان العملية الخمسة التي بني عليها هذا الدين.

 

وقد ثبت وجوبه وفرضيته بالكتاب والسنة والإجماع:

 

فقد قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ﴾ [البقرة: 183، 184].

 

ثم قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185].

 

وفي السنة: روى عمر في حديث جبريل المشهور، عنه ﷺ: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا». ونحوه حديث ابن عمر المشهور المتفق عليه، الذي يحفظه خواص المسلمين وعوامهم: «بني الإسلام على خمس...» وعدَّ منها: «صوم رمضان».

 

وحديث أبي هريرة، أن أعرابيًّا أتى النبي ﷺ فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا... وتصوم رمضان...» الحديث. وحديث طلحة بن عبيد الله عن الرجل النجدي الذي جاء يسأل عن الإسلام فذكر له الصلوات الخمس، ثم قال: «وصيام رمضان». قال: هل عليَّ غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» الحديث.

 

والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا، حفلت بها كل دواوين السنة من الصحيحين والسنن الأربعة وغيرها، وهي متواترة تواترًا معنويًّا.

 

وقد أجمع المسلمون من جميع المذاهب والطوائف وفي جميع العصور منذ عهد النبوة إلى اليوم على وجوب صيام رمضان، وفرضيته العينية على جميع المسلمين المكلفين، لم يشذ عن ذلك أحد في القديم ولا الحديث.

 

فهو من الفرائض الثابتة بالتواتر اليقيني، المعلومة من الدين بالضرورة، بحيث يشترك في معرفة فرضيتها الخاص والعام، دون حاجة إلى نظر واستدلال.

 

ومن هنا يحكم علماء الأمة جميعًا بالكفر والردة على كل مَن ينكر فرضية صوم رمضان، أو يشكك فيها، أو يستخف بها؛ إذ لا معنى لذلك إلا التكذيب لله ورسوله والخروج جهرة عن دين الإسلام.

 

ولا يعذر في هذا إلا من كان حديث عهد بالإسلام، ولم يتهيأ له أن يعرف بَعْدُ أصول فرائضه، فيعطَى فرصة ليتفقه في الدين، ويعلم ما لم يكن يعلم، وهذا واجب عليه، وهو كذلك حقه على جماعة المسلمين، وخصوصًا القريبين منه.

 

متى فرض الصيام؟

 

فرض الصيام ـ كمعظم شرائع الإسلام ـ في المدينة بعد الهجرة. فقد كان العهد المكي عهد تأسيس العقائد، وترسيخ أصول التوحيد ودعائم القيم الإيمانية والأخلاقية في العقول والقلوب، وتطهيرها من رواسب الجاهلية في العقيدة والفكر والخلق والسلوك.

 

أما بعد الهجرة فقد أصبح للمسلمين كيان وجماعة متميزة تُنَادَى بـ :﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾، فشرعت عندئذ الفرائض، وحدت الحدود، وفصلت الأحكام، ومنها الصيام. ولم يشرع في مكة إلا الصلوات الخمس؛ لِمَا لها من أهمية خاصة، وكان ذلك في ليلة الإسراء، في السنة العاشرة من البعثة على الأشهر.

 

وبعد ذلك بخمس سنوات أو أكثر فرض الصيام، أي في السنة الثانية من الهجرة، وهي السنة التي فرض فيها الجهاد، فتوفي النبي ﷺ وقد صام تسعة رمضانات.  يقول ابن القيم في «الزاد»: «لما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها، تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة، لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة، وألفت أوامر القرآن، فنقلت إليه بالتدريج».

 

مراحل تشريع الصيام

 

شرع صيام رمضان على مرحلتين:

 

المرحلة الأولى: مرحلة التخيير: أي تخيير المكلف المطيق للصوم بين أمرين؛ الصيام، وهو الأفضل، والإفطار مع الفدية، وهي إطعام مسكين، فمن زاد على ذلك فهو خير وأبقى.

 

وفي هذا جاء قوله تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٨٣ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌۭ طَعَامُ مِسْكِينٍۢ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ ۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 183، 184]. فكان مَن شاء صام ومَن شاء أفطر وفدى.

 

والمرحلة الأخرى: مرحلة الإلزام والتحتيم؛ أي الإلزام بالصوم ونسخ التخيير، الذي رخصت فيه الآية السابقة. وفي ذلك نزل قوله تعالى:﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[البقرة: 185].

 

ففي الصحيحين، عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت:﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾[البقرة: 184]. كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها. وفي رواية لمسلم: حتى أنزلت هذه الآية:﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.  وقالت عائشة: كان عاشوراء يصام، فلما نزل فَرْض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. وكذلك روى البخاري، عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود مثله.

 

فأوجب الله الصيام على الصحيح المقيم، ورخص في الإفطار للمريض والمسافر. وهذا هو المنهج الحكيم الذي اتخذه الإسلام في تشريعاته، سواء في فرض الفرائض أم في تحريم المحرمات، وهو منهج التدرج في التشريع، الذي يقوم على التيسير لا التعسير.

 

وهذه المرحلة الإلزامية جاءت أيضًا على رتبتين، كان في الأولى تشديد عليهم، وفي الثانية تخفيف ورحمة. فقد كانوا يأكلون ويشربون ويباشرون نساءهم ما لم يناموا أو يصلوا العشاء، فإذا ناموا وصلَّوا العشاء لم يجز لهم شيء من ذلك إلى الليلة القابلة.

 

وقد وقع لرجل من الأنصار أنه كان يعمل طول يومه، فلما حضر وقت الإفطار انطلقت امرأته لتطلب له الطعام، فلما حضرت وجدته قد غلبته عينه من الجهد ونام دون أن يتناول طعامًا، وعندما انتصف النهار في اليوم التالي غشي عليه من شدة المشقة.

 

كما روي أن بعض الصحابة ـ ومنهم عمر وكعب بن مالك ـ قد أصابوا من نسائهم بعد ما ناموا أو نامت نساؤهم، وشق عليهم ذلك، وشكوا للنبي ﷺ، فأنزل الله الآية الكريمة التي تمثل المرحلة الثالثة التي استقر عليها أمر الصيام، وهي قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 187].

 

ففرح بها المسلمون فرحًا شديدًا، فقد أباح لهم الرفث ـ أي الجماع ـ والطعام والشراب في جميع الليل إلى تبين الفجر، رحمة ورخصة ورفقًا، وعفا عما وقع منهم من تجاوزات.

 

لماذا فرض الله الصوم شهرًا قمريًّا؟

 

فرض الله الصيام شهرًا قمريًّا لجملة حكم وأسباب، منها:

 

1 ـ أن توقيت المسلمين كله بالأشهر القمرية، كما في حول الزكاة، والحج، وعِدَد النساء، وغيرها، قال تعالى: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾ [البقرة: 189].

 

2 ـ أن توقيت المسلمين بالأشهر القمرية توقيت طبيعي، تدل عليه علامة طبيعية هي ظهور الهلال.

 

3 ـ أن الشهر القمري يتنقل بين فصول العام، فتارة يكون في الشتاء، وطورًا يكون في الصيف، وكذا في الربيع والخريف، فمرة يأتي في أيام البرد، وأخرى في شدة القيظ، وثالثة في أيام الاعتدال، وتطول أيامه حينًا، وتقصر حينًا، وتعتدل حينًا. وبذلك يتاح للمسلم ممارسة الصوم في البرد والحر، وفي طوال الأيام وقصارها. وفي هذا توازن واعتدال من ناحية، وإثبات عملي لطاعة المسلم لربه وقيامه بواجب العبادة له في كل حين، وفي كل حال.

 

الشهر «29» أو «30» يومًا

 

والشهر القمري لا ينقص عن «29» تسعة وعشرين يومًا، ولا يزيد عن «30» ثلاثين يومًا، ثبت ذلك بنصوص الشرع، كما ثبت باستقراء الواقع. وجاء في الحديث الصحيح أن الشهر يكون تسعًا وعشرين ويكون ثلاثين، بَيَّن ذلك النبي ﷺ بالقول والإشارة.

 

وسواء كان الشهر ثلاثين أم تسعة وعشرين، فإن الأجر عند الله واحد في الصيام والقيام والعمل الصالح، وهذا معنى الحديث المتفق عليه: «شهران لا ينقصان، شهرا عيد: رمضان وذو الحجة». وإنما خصهما بالذكر لتعلق فريضتين عظيمتين من فرائض الإسلام بهما، فالأول شهر الصوم، والثاني شهر الحج.

 

وقد قال ابن مسعود: ما صمنا مع النبي ﷺ تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين.