شهدت تونس العاصمة وعدد من المناطق الداخلية موجة احتجاجات جديدة قادتها أطراف معارضة ونقابية ومدنية، بعد سنوات من الهدوء الحذر منذ إجراءات 25 يوليو 2021، ورفعت المسيرات شعارات معيشية وسياسية مباشرة ضد الفقر وغلاء الأسعار واتساع الاعتقالات.

 

وتكشف هذه العودة إلى الشارع أن الأزمة التونسية لم تعد محصورة في خلاف دستوري أو صراع حزبي، بل صارت أزمة حياة يومية، حيث يواجه المواطن تآكل القدرة الشرائية وتدهور الخدمات، بينما تواجه المعارضة أحكاما ثقيلة وسجونا ممتلئة وخطابا رسميا يكرر اتهامات التآمر دون تقديم حلول اقتصادية تقنع الناس.

 

الغلاء يدفع الشارع إلى كسر الخوف

 

في البداية، جاءت المسيرات الأخيرة في تونس بعد تراكم طويل لأزمات الأسعار والخدمات والضرائب، إذ خرج محتجون تحت شعار «الشعب جيعان والحبس شبعان»، ورفعوا عبارات تعيد لغة 2011 إلى الشارع مثل «يا مواطن يا مقموع.. جاك الفقر جاك الجوع».

 

ثم تميزت هذه الاحتجاجات بحضور متنوع ضم نشطاء حقوقيين وسياسيين وممثلين عن منظمات مدنية، مع مشاركة يساريين وإسلاميين ومستقلين في المسار نفسه، وهو تطور مهم بعد سنوات من الانقسام الذي استثمرته السلطة لتفكيك جبهات المعارضة.

 

وبسبب هذا التنوع، لم تعد الرسالة موجهة من حزب واحد إلى الرئاسة، بل من شريحة أوسع ترى أن منظومة ما بعد يوليو 2021 لم توقف الغلاء ولم تحسن النقل والصحة والتعليم، بل نقلت الأزمة من المؤسسات إلى الشارع.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي أحمد نجيب الشابي، أحد أبرز قادة المعارضة التونسية، وظيفة سياسية واضحة، لأنه دعا قبل اعتقاله إلى توحيد مختلف التيارات وتصعيد الاحتجاجات لإنقاذ الديمقراطية، معتبرا أن مواجهة الاستبداد لا تنجح إلا بجبهة واسعة.

 

كذلك تعطي شعارات الاحتجاج مؤشرا على انتقال الغضب من النخب إلى الناس، لأن عبارة «جوع واستبداد» تلخص ربط الشارع بين تراجع الحريات وتدهور المعيشة، فلا يرى المواطن الخبز منفصلا عن القضاء والإعلام والحق في التنظيم.

 

وبالتوازي، تكشف مؤشرات الفقر غير الرسمي عمق الأزمة، إذ تشير تقديرات قديمة إلى وجود آلاف من ملتقطي النفايات في تونس، بينما تتحدث منظمات محلية عن اتساع الظاهرة وسط الشباب، بما يعكس انهيارا في فرص العمل اللائق.

 

ومن هنا، يصبح كسر جدار الخوف أخطر ما حدث في الأسابيع الأخيرة، لأن السلطة التي بنت جزءا من قوتها على تراجع الشارع أمام القبضة الأمنية، تواجه الآن احتجاجا يستعيد لغة مباشرة ولا يخفي تسمية الجوع والسجن والغلاء.

 

السجون الممتلئة تعمق الأزمة السياسية

 

على الضفة الأخرى، تتغذى الاحتجاجات من ملف الاعتقالات والأحكام الثقيلة، فقد صدرت أحكام مشددة في قضية «إنستالينغو»، بينها الحكم على راشد الغنوشي بالسجن 22 عاما، وعلى رئيس الحكومة الأسبق هشام المشيشي غيابيا بـ35 عاما.

 

كما واجهت شخصيات معارضة بارزة أحكاما واعتقالات، بينها أحمد نجيب الشابي والعياشي الهمامي وشيماء عيسى، في قضايا تصفها المعارضة بأنها سياسية، بينما تطرح السلطة خطاب محاربة التآمر والفساد لتبرير ملاحقة خصومها.

 

وفي هذا السياق، يخدم رأي راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة المعتقل، محور السجون، لأن رفضه الاعتراف بالأحكام التي يعتبرها منحازة، ودخوله إضرابات تضامنية، جعلا ملف الاعتقال السياسي جزءا مركزيا من معركة الحريات في تونس.

 

لذلك لا تبدو الأحكام الطويلة مجرد إجراءات قضائية عادية في نظر المعارضة، لأنها تأتي داخل مسار بدأ بحل البرلمان وتغيير الدستور وتركيز السلطات، ثم امتد إلى الإعلاميين والمحامين والمدونين والقيادات الحزبية من عائلات سياسية مختلفة.

 

كما ساهم تدهور الحالة الصحية للغنوشي ونقله إلى المستشفى في إبراز البعد الإنساني للملف، خصوصا أنه يبلغ 84 عاما، بينما تقول حركة النهضة إن صحته تدهورت داخل السجن وتطالب بإطلاق سراحه فورا.

 

ومن الناحية السياسية، جعلت الأحكام الثقيلة شعار «الحبس شبعان» أكثر تأثيرا، لأن المحتج لا يتحدث عن سجين واحد، بل عن مناخ يرى فيه أن السجن صار أداة لإغلاق المجال العام لا استثناء لمعاقبة جرائم ثابتة.

 

وبناء على ذلك، تدفع المعارضة الملف نحو الخارج عبر تحركات حقوقية ودبلوماسية في أوروبا والأمم المتحدة، لأن الداخل التونسي فقد في نظرها ضمانات القضاء المستقل، وصارت المعركة على صورة النظام في الخارج جزءا من الضغط السياسي.

 

الجيش والتدويل وسيناريوهات المرحلة المقبلة

 

في المقابل، زاد بيان وزارة الدفاع التونسية الأخير غموض المشهد، بعدما حذرت الوزارة من الزج بالمؤسسة العسكرية في التجاذبات السياسية، مؤكدة التزام الجيش بالدفاع عن الوطن بعيدا عن الصراعات، وذلك عقب تصريحات للرئيس الأسبق المنصف المرزوقي.

 

وفي هذا الموضع، يخدم رأي المنصف المرزوقي محور السيناريوهات، لأنه تحدث عن احتمالات مفتوحة، بينها استمرار قيس سعيد عبر انتخابات يصفها بأنها غير نزيهة، أو عودة تحركات شعبية واسعة ومنظمة سماها «البوعزيزي 2» لاستعادة المسار الديمقراطي.

 

ثم أثار البيان العسكري جدلا لأنه جاء في لحظة احتجاج وتصاعد تسريبات عن صراعات داخل السلطة، ما جعل مراقبين يقرأونه كإشارة إلى أن المؤسسة العسكرية ترفض الظهور كطرف سياسي، لكنها تدرك حساسية المرحلة واحتمالات الانزلاق.

 

وفي الخارج، تتحرك شخصيات معارضة وحقوقية لتدويل الأزمة، عبر مذكرات ودعاوى واتصالات مع مؤسسات أوروبية وأممية، وهو مسار يزيد عزلة السلطة لكنه يحمل أيضا خطر تحويل مستقبل تونس إلى ملف تفاوض خارجي.

 

كذلك بدأت أسماء سياسية في الخارج تعلن استعدادها للعودة أو الترشح أو تمثيل بدائل، مثل منذر الزنايدي الذي صدر بحقه حكم غيابي في قضايا تتعلق بأمن الدولة، ما يعكس اتساع قناعة بأن الانسداد الحالي يفتح سباقا مبكرا على ما بعد قيس سعيد.

 

ومع ذلك، تبقى المعارضة أمام اختبار التنظيم لا الشعار فقط، لأن إسقاط الخوف لا يكفي إذا لم تتحول المسيرات إلى برنامج اجتماعي وسياسي واضح، يجيب عن الغلاء والبطالة والهجرة وانهيار الخدمات، لا عن شكل الحكم وحده.

 

وفي النهاية، تبدو تونس أمام لحظة مفتوحة بين انفجار اجتماعي عفوي وتغيير منظم عبر الشارع والقضاء الدولي والضغط السياسي، بينما تستمر السلطة في خطاب المؤامرة، وتستمر الأسواق والسجون في إنتاج شعارات الغضب.

 

وبهذا المعنى، لا تسأل الاحتجاجات التونسية متى يسقط الخوف فقط، بل تسأل من يملك جوابا بعده، لأن الشارع الذي يهتف ضد الجوع والحبس لن يكتفي بعودة الوجوه القديمة، ولن يقبل بسلطة جديدة تعيد إنتاج الفقر باسم الإنقاذ.