أشعل تصريح حسين أبوصدام، نقيب الفلاحين، موجة غضب واسعة بعد تبريره وصول سعر البطة إلى 600 جنيه بالإقبال الكبير من المصريين عليها في أول أيام رمضان. وبينما بدا التصريح وكأنه محاولة لتفسير الظاهرة اقتصاديًا وفق قاعدة العرض والطلب، رأى كثيرون فيه تجاهلًا متعمدًا لجذور الأزمة الحقيقية، ومحاولة لإبعاد المسؤولية عن الحكومة التي تعجز منذ سنوات عن ضبط الأسواق أو حماية المواطنين من موجات الغلاء المتكررة. فهل حقًا المشكلة في شهية المصريين، أم في سياسات اقتصادية مرتبكة وغياب رقابة حقيقية؟
تبرير سطحي لأزمة أعمق
الحديث عن “الإقبال الكبير” باعتباره السبب الرئيسي في تضاعف سعر البطة يختزل المشهد الاقتصادي المعقد في جملة مبسطة لا تقنع المواطن الذي يواجه الغلاء يوميًا. صحيح أن زيادة الطلب قد ترفع الأسعار، لكن هذا يحدث في الأسواق التي تفتقر إلى التخطيط المسبق وإدارة المخزون الاستراتيجي. أما في دولة تعرف موعد رمضان مسبقًا بعام كامل، فلا يمكن اعتبار الإقبال مفاجأة تبرر انفلات الأسعار.
رمضان موسم استهلاكي يتكرر سنويًا، ومن المفترض أن تكون الجهات المعنية قد وضعت خططًا لزيادة الإنتاج أو الاستيراد أو دعم صغار المربين قبل حلول الشهر. لكن الواقع يكشف عن غياب رؤية استباقية، وترك السوق فريسة للتجار وحلقات الوساطة التي تضاعف الأسعار دون رقابة رادعة. وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بالعرض والطلب، بل بإدارة الدولة لمنظومة السوق.
الأخطر أن هذا الخطاب يُحمّل المواطن ضمنيًا مسؤولية الأزمة، وكأن المشكلة في رغبته بشراء طعامه المعتاد خلال شهر له خصوصية اجتماعية ودينية. فهل يُطلب من المواطن أن يقلل استهلاكه حتى لا ترتفع الأسعار؟ أم أن الدور الحقيقي للحكومة هو ضمان توازن السوق ومنع الاستغلال؟ إن تحويل النقاش من مسؤولية الإدارة الاقتصادية إلى سلوك المستهلك يُعد هروبًا من مواجهة الأسباب الحقيقية.
فشل السياسات الاقتصادية وغياب الرقابة الصارمة
ارتفاع سعر البطة إلى 600 جنيه ليس حالة استثنائية، بل حلقة في سلسلة طويلة من الزيادات التي طالت اللحوم والدواجن والخضروات والسلع الأساسية. وهذا يشير إلى خلل هيكلي في إدارة الاقتصاد، لا إلى أزمة موسمية عابرة. فتكاليف الإنتاج المرتفعة، من أعلاف وطاقة ونقل، ارتبطت بقرارات اقتصادية متتالية أدت إلى زيادة الأعباء على المنتجين، دون أن يقابلها دعم كافٍ أو آليات حماية للسوق.
كما أن غياب الرقابة التموينية الفعالة ساهم في تفاقم الأزمة. ففي ظل ضعف الحملات التفتيشية وغياب تسعير استرشادي ملزم، يجد بعض التجار الفرصة سانحة لرفع الأسعار بحجة ارتفاع التكلفة أو زيادة الطلب. وفي غياب الشفافية، لا يستطيع المواطن التحقق مما إذا كانت الزيادة مبررة أم مبالغًا فيها.
المشكلة لا تتوقف عند حدود سلعة بعينها، بل تمتد إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر المصرية. فحين يصل سعر البطة إلى 600 جنيه، يصبح اقتناؤها رفاهية لكثير من العائلات، خاصة مع دخول ثابتة لا تواكب موجات التضخم. وهنا يظهر التناقض بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن استقرار اقتصادي، وبين واقع السوق الذي يشهد انفلاتًا مستمرًا.
إن أي حكومة تسعى إلى تحقيق استقرار حقيقي مطالبة بتفعيل أدواتها الرقابية، وضبط سلاسل الإمداد، ودعم الإنتاج المحلي، ومواجهة الاحتكار بحزم. أما الاكتفاء بتفسير الغلاء بأنه نتيجة “الإقبال”، فهو تبسيط مخل لا يعالج جذور الأزمة، بل يكرّسها.
في المحصلة، لا يمكن اختزال أزمة الأسعار في زيادة الطلب خلال رمضان. القضية أعمق وتتعلق بقدرة الدولة على إدارة السوق بكفاءة وعدالة. فاستقرار الأسعار ليس رفاهية، بل حق أساسي للمواطن، ومسؤولية مباشرة على عاتق من يتولى إدارة الاقتصاد. استمرار تبرير الغلاء بخطاب تقليدي لن يخفف العبء عن الأسر، بل سيزيد من فجوة الثقة بين المواطن وصانع القرار.

