يواصل د. عمر عبيد حسنة إبداعه في شرح مدخل كتاب الدكتور زغلول النجار «قضية التخلف العلمي والتقني في العالم الإسلامي المعاصر»، ليضعنا أمام تشخيص فكري مكثّف لجذور التخلف العلمي والتقني في العالم الإسلامي، انطلاقًا من مركزية القرآن في صناعة المناخ العقلي والعلمي للإنسان، لا في تعويض عجزه عن الإنجاز. يتناول التصور القرآني للعلم بوصفه أداة للاستخلاف وعمارة الأرض، لا مجرد مادة للخطاب الوعظي أو مادة استهلاكية تحت عنوان “الإعجاز العلمي”.
ويحذر من تحويل الحديث عن الإعجاز أو عن “أسلمة المعرفة” إلى بديل نفسي عن إنتاج معرفة حقيقية، وعن تكوين عالم مسلم يمتلك المقدمات والوسائل التي تمنحه القدرة على توجيه العلم ونتاجه، بدل الاكتفاء بتكييف اكتشافات الآخرين وإعادة تلوينها إسلاميًا. وفي السياق نفسه، يميّز النص بدقة بين الحضارة والثقافة والمدنية، ويكشف كيف ركّزت المدنية الحديثة على “وسائل الإنسان” وأشيائه المادية، وأهملت “إنسان الإنسان” وقيمه وذوقه وتوازنه النفسي.
في المقابل، تفتح االمقدمة ملفًا شائكًا حول إمكانات النهوض في ضوء الواقع الراهن: رصيد حضاري وثقافي وجغرافي وبشري ضخم، يقابله استنزاف هائل للعقول المهاجرة وأرقام صادمة لخروج الأطباء والمهندسين والفيزيائيين، وانسداد في مسارات الإبداع تحت وطأة تضييق الحريات وعقدة الصراع بين العلم والحكم. وبين من لا يرى من الحضارة المعاصرة إلا عيوبها، ومن لا يرى إلا إنجازها، يدعو النص إلى تجاوز ثنائية الانبهار والرفض، نحو وعيٍ سننيٍّ يرى العلم فرض كفاية حضاريًّا، ويعيد وصل السياسة بالمعرفة، والحرية بالإبداع، حتى لا يبقى المسلمون “خارج نطاق الزمان والمكان” وهم يملكون كل مقوّمات أن يكونوا جزءًا من صناع المستقبل لا مجرد متفرجين على حركته.
القرآن والمناخ العلمي
ومن الحقائق التي لا مجال للتشكيك فيها، أن القرآن وضع العقل البشري [ ص: 14 ] في المناخ العلمي، ووفر له الإسلام الشروط والظروف المطلوبة لتحقيق ذلك؛ فموضوع القرآن: بناء الإنسان، ووظيفة الإنسان، القيام بأعباء الاستخلاف والإعمار عن طريق العمل وفقه قوانين التسخير.
ولذلك طلب القرآن النظر، والملاحظة، والاختبار، وإدراك علل الأشياء، وأسبابها، ليبدع الإنسان ويبتكر، وينجز، وعرض لبعض الحقائق العلمية لتحقيق غرضه في الهداية، كما أسلفنا، وصمد النص القرآني خلال خمسة عشر قرنا أمام الحقائق العلمية.
لكن أخشى ما نخشاه أن يستغني بعض المسلمين اليوم عن محاولة الإبداع والإنجاز العلمي والتقني، واستنفار المسلمين لذلك، للخلاص من السيطرة والتحكم، بالكلام عن إعجاز القرآن العلمي، كلون من التعويض؛ لذلك نرى بعضهم اليوم كلما اكتشفت نظرية أو حقيقة علمية، يجهدون أنفسهم عن حسن نية، في التدلي على أن القرآن عرض لها، أو أثبتها قبل العلم.
وأقل ما يقال في ذلك: إنه جهد في غير موقعه، أو هـو دليل إدانة على تخلف المسلمين، وعدم فقههم للقرآن، وانتفاعهم بما عرض له من الحقائق، ومتابعة المسيرة العلمية. ويكفينا في ذلك أن الإسلام رسم سياسة العلم والتقنية وضبط المسيرة العلمية بقيمة الهادية، وحدد هـدف العلم وبين حكمته ولفت نظر الإنسان إلى علل الأشياء وأسبابها، ودعاه إلى ملاحظة الاطراد في القوانين الاجتماعية والحضارية والمادية.
من هـنا نقول بأن المناخ العلمي والعقلي الذي وفره القرآن للإنسان، دفعه إلى البحث والكشف، والإبداع في المجالات كلها، ولم نلمح في تاريخنا الحضاري الطويل، تقدما في العلوم الشرعية والإنسانية، وتخلفا في علوم الكون، وإنما كان العقل الإسلامي مبدعا في المجالين معا.
كما أن إصابات التخلف وانطفاء الفاعلية، جاءت في المجالين معا. فقياس محيط الأرض والتقدم بعلم الرياضة والطب والكيمياء، ترافق مع النبوغ في الاجتهاد، والقدرة على مواجهة المشكلات، ومتغيرات العصر والتقليد والركود في العلوم الشرعية، ترافق مع تخلف وقعود في العلوم الكونية [ ص: 15 ] أيضا.
أسلمة المعرفة وأسلمة العلماء
كما أن أمرا آخر يرد في هـذا المجال، وهو الدعوة إلى أسلمة المعرفة، فعلى الرغم من أهميته وضرورته وفائدته وحاجة الحضارة المعاصرة له بعد أن فقد الهدف والحكمة، إلا أنه من وجه آخر قد يكون مشابها للكلام والاهتمام بالإعجاز العلمي للقرآن، والاستغناء به عن الإنجاز العلمي الإسلامي، فالمعرفة العلمية كما هـو معروف ثمرة لرؤية إسلامية للعالم والمخترع، تقتضي توجيها للعلم المنتج، وتوظيفا له ليحقق حكمة وهدفا.
لذلك نرى أن الاقتصار على النظر في النواتج العلمية للآخرين، والتفكير بتحويلها إلى المسار الصحيح يبقى قليل الجدوى، وإن كان عملا طيبا في بعض جوانبه، لكن العمل المجدي أكثر: أن يبنى العالم المسلم الذي يقدم معرفة إسلامية ابتداء، ويتحكم في مسارها وهدفها، لتكون سببا في إسعاد البشرية.
أي أن المطلوب أسلمة العلماء، فهو المقدمة لإسلامية المعارف؛ لأنه من الصعوبة بمكان أن نتمكن من التحكم بتوجيه نتائج العلم تحت شعار أسلمة العلوم، إلى الوجهة التي يريدها الإسلام، ونحن لا نمتلك المقدمات والوسائل التي أوجدت تلك النتائج. إن الذين يمتلكون المقدمات، غالبا هـم المتحكمون بالأهداف. فإسلامية العلوم تبدأ من امتلاك المقدمات والوسائل، ومن ثم تحويلها لتكون في خدمة الإنسانية.
صحيح أن العلم اليوم، أتقن الوسائل والمقدمات، وافتقد الهدف والحكمة؛ بل نستطيع القول بأن الوسيلة انقلبت هـدفا تحت عناوين وشعارات مضللة مثل فرية العلم للعلم، والفن للفن، وصار الأمر إلى هـذا التمرد العلمي الذي أصاب الإنسان نفسه وصنع أزمته. فإنسان الحضارة اليوم بأشد الحاجة لعملية الإنقاذ.
مفاهيم الحضارة والثقافة والمدنية
وقد تكون مفيدا – ونحن نعرض للقضية العلمية والتقنية – أن نحدد بعض المفهومات الضرورية لمستقبل الرؤية الحضارية ولنستبين بعض [ ص: 16 ] المعالم. وهي أن علماء الحضارة يرون: أن هـناك فرقا بين كل من مفهوم الحضارة، والثقافة، والمدنية.
فإذا كانت المدنية تعني: الإبداع، والارتقاء بالوسائل المادية التي تحقق للإنسان الرفاه في مجال الصناعة، والعمران، والمواصلات والزراعات...إلخ – أي أن موضوعها وسائل الإنسان (عالم الأشياء) والإبداع في مجال الماديات، وأن الثقافة تعني: الارتقاء بخصائص وصفات ومزايا الإنسان، وحسن تأهيله وتربيته، واكتسابه مجموعة معارف تساهم بتشكيل شخصيته، وتكوين نظرته السوية إلى الكون والحياة، وتحديد هـدفه وتكوين نسيجه العام، أي أن موضوعها الإنسان نفسه (عالم الأفكار) والإبداع في مجال المعنويات.
فإن الحضارة تعني: المدنية والثقافة معا. فإذا اقتصر التقدم العلمي على وسائل الإنسان وأشيائه المادية فقط، فلا يخرج عن كونه تقدما مدنيا، ولا يمكن تسميته حضارة، وهذا هـو الحاصل اليوم في التقدم العلمي للمدنية الحديثة؛ حيث تتقدم أشياء الإنسان على حساب الإنسان ذاته؛ لأن هـذا التقدم أهمل إنسانية الإنسان، وتنمية خصائصه وصفاته، وتكوين ذوقه العام وتطهير وجدانه، والارتقاء بنظرته للحياة والأحياء. إنه أخرج الإنسان بخصائصه وصفاته وأشواقه من دائرة اهتمامه، وما
أهداف زيادة الإنتاج التي دفعت إلى نظريات تقسيم العلم والاصطفاء المسلكي وهندسة الأداء وحذف الحركات غير المجدية في عملية الإنتاج، إلا لون من إلغاء إنسانية الإنسان وتحويله إلى آلة صماء ينظر إليها من خلال ما تقدمه من إنتاج حتى
أصبح الإنسان بعد ساعات العمل يعاني من اهتزاز في أطراف جسمه ويقوم بحركات عشوائية مماثلة لما يمارسه في العمل. إنه افتقد السيطرة والتحكم في حركته كإنسان.
ومن الغباء الشديد عدم الاعتراف ورؤية التقدم المادي للعلم والتقنية اليوم، كما أنه من الغباء أيضا عدم رؤية الإصابات التي لحقت بهذا التقدم؛ لأنه اقتصر على وسائل الإنسان وخسر الإنسان نفسه، كما [ ص: 17 ] أسلفنا.
إمكانات النهوض والسؤال الحضاري
ولن نتكلم عن الأسباب الكثيرة التي سببت تخلف العالم الإسلامي العلمي والتقني؛ لأن الكتاب الذي نعرض له تكفل بذلك إلى حد بعيد، لكن السؤال المطروح: هـل يستطيع المسلمون اليوم – وهم على مشارف القرن الحادي والعشرين – أن يقدموا إسهامات تنقذ حضارة الأزمة أو تعالج أزمة الحضارة؟
لا شك أن ما يمتلكه المسلمون من رصيد ثقافي، وتاريخ حضاري، موقع جغرافي، وتجانس بشري، ومواد أولية، وخامات وطاقات مختلفة، ورسالة سماوية إنسانية، وخطاب عالمي، يؤهلهم أن يقدموا شيئا مهما للحضارة المنقوصة بشكل عام، ولو من الناحية الفكرية على الأقل، بعد أن أصبح العالم دولة واحدة وتيسرت وسائل الاتصال. كما أن بإمكانهم النهوض العلمي والتقني على المستوى المادي العلمي.
إضافة إلى ذلك، فإن العقل المسلم اليوم والمهارات والسواعد الإسلامية تشكل مساحة كبيرة في آلية التقدم العلمي والتقني في الغرب، وأن مجموعة الأدمغة المهاجرة من العالم الإسلامي لسبب – أو لآخر – لو أتيحت لها الظروف والشروط والمؤسسات المناسبة، لاستطاعت أن تختصر مسافة التخلف، وتردم فجوته، بل وتستطيع أن تقدم شيئا آخر لا يزال مفقودا على مستوى الحضارة البشرية.
هجرة العقول وأرقام الاستنزاف
إن هـجرة الكفاءات من البلاد العربية فقط، تكلف الأمة ما يزيد على مائة مليون دولار سنويا من رأسمالها، عدا الخسارة الدائمة من عائد هـذا الاستثمار، والتخلف الذي يورثه على مختلف الأصعدة.
إن 50% من الأطباء المهاجرين إلى أمريكا، وعددهم (2400طبيب) ، و23% من المهندسين، و15% من الفيزيائيين، هـم من العرب، عدا إخوانهم في العالم الإسلامي، وغيرهم كثير في مختلف التخصصات. ولسنا بصدد الكلام عن عوامل الطرد من هـنا، والجذب من هـناك، وإنما لنعطي مؤشرا ولو بسيطا على أن التقدم العلمي هـناك يمتص الخبرات والعقول كلها [ ص: 18 ] ليبقى العالم الإسلامي متخلفا، ويبقى العالم الغربي متحكما.
ولنا أن نتصور عندما يتحول المخزون العقلي لأمة من الأمم إلى ميادين الإنتاج في أمة أخرى، فالعقل المتفوق والساعد والمال والمواد الأولية للعالم الإسلامي تصب في الحضارة الغربية، فكيف يمكن النهوض والتقدم، والحالة هـذه؟
انسداد الإبداع وضعف الحرية
وفوق هـذا وذاك، فإن باب الإبداع والإنتاج مسدود تقريبا أمام النخبة في العالم الإسلامي. وهناك آلاف القصص عن أطباء بلغوا أوجا في التحصيل العلمي، لكنهم لم يستطيعوا الاستمرار في وطنهم، لهذا السبب أو ذلك، وقس على ذلك المهندسين والتقنيين والموهوبين؛ فهؤلاء غالبا ما يتحولون إلى موظفين جالسين وراء المكاتب يوقعون الأوراق، أو يلقون المحاضرات النظرية، أو لا يفعلون شيئا أحيانا، أو يوضعون في أعمال تلغي عقولهم واختصاصاتهم، وتسقط من حياتهم سنوات الإبداع والخبرة.
يضاف إلى ذلك أن هـامش الحرية في العالم الإسلامي ليس من السعة؛ بحيث يستوعب المستوى العقلي، والإبداعي، على الرغم من أن العقل العلمي ليس سياسيا دائما بالضرورة. فالعقل العلمي مشغول بإبداعه واختراعه، ولا يتطلب أكثر من مناخ مقبول من حرية الفكر، والحوار، والمناقشة، وتبادل الرأي للقيام بالتجارب والدراسة، وهذا مع الأسف، مفقود في كثير من بلدان العالم الإسلامي، بسبب من تحكم الدول المتقدمة التي تفرض هـذا المناخ من الاستبداد السياسي على عالم المسلمين ليصب رصيده من النوابغ والعقول في نهاية المطاف في مصلحتها.
لذلك فأولى الخطوات في هـذا الأمر حل المعادلة الصعبة بين العلم والحكم، أو بين الثقافة والسياسة في العالم الإسلامي، وإلا تبقى الجهود مبعثرة، والاغتراب واقع، سواء كان الاغتراب عن الوطن، أو الاغتراب في الوطن، ولا أمل في النهوض..
الخاتمة التمهيدية
وبعد:
فالكتاب الذي نقدمه اليوم في إطار السلسلة، مما نعتز به، ونعتبره ثمرة [ ص: 19 ] للنظرة الشمولية، والرؤية الحضارية التي نسعى لتحقيقها في عالم المسلمين. بل لعل موضوع التخلف من الهموم الأساسية التي يعاني منها العالم الإسلامي، والتي تقتضي الكثير من النظر والتدبر والمساهمة من الجميع. ونعتقد أن الأخ الدكتور زغلول النجار ، هـو من أفضل من يقدم مثل هـذه الدراسة؛ لأنه جمع بين التخصص العلمي الدقيق والرؤية الإسلامية الثقافية.
ومما لا شك فيه أن ما كشف عنه الكتاب من الآفاق للتقدم العلمي والتقني الذي بلغته دول الشمال بشكل عام يشكل تحديا كبيرا لعالم المسلمين، ويضع المسلمين – حكاما وشعوبا – أمام مسئولياتهم؛ لأنهم بواقعهم الحالي لا يزالون يعيشون خارج نطاق الزمان والمكان. والله نسأل أن يلهمنا رشدنا ويرزقنا السداد.

