لأكثر من سبعة عقود، ظل البائع الجائل في مصر عالقًا في منطقة رمادية بين الشرعية والتجريم، يعمل في الشارع بلا مظلة قانونية حقيقية، ويُطارد بقانون يعود إلى عام 1957، وُضع في زمن مغاير تمامًا للواقع الاقتصادي والاجتماعي الحالي.

 

قانون قديم لا يرى في البائع الجائل سوى “مخالِف” يجب منعه أو معاقبته، لا إنسانًا يعمل ليعول أسرة ولا نشاطًا اقتصاديًا يقتات منه ملايين المواطنين. اليوم، يعود الملف إلى الواجهة بقوة مع إعلان النائب أيمن محسب، وكيل لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب، عن تقدمه بمشروع قانون متكامل لتعديل قانون الباعة الجائلين رقم 33 لسنة 1957، في محاولة جادة لكسر دائرة الفشل التشريعي المزمن، وإنهاء واحدة من أطول حالات الإقصاء القانوني في تاريخ الاقتصاد المصري.

 

هذا التحرك لا يأتي من فراغ، بل من اعتراف صريح بأن الدولة، عبر تشريعاتها القديمة، تركت شريحة ضخمة من العاملين بلا حماية، وبلا مسار قانوني واضح، مكتفية بسياسات المطاردة والمصادرة، التي لم تُنظم الشارع، ولم تُدخل الباعة في الاقتصاد الرسمي، بل كرّست العشوائية وعمّقت الفجوة بين المواطن والدولة.

 

أولًا: قانون 1957.. تشريع خارج الزمن

 

قانون الباعة الجائلين الصادر عام 1957 لم يعد فقط “قديمًا”، بل أصبح عبئًا تشريعيًا حقيقيًا. فهو قانون كُتب في سياق اقتصادي مختلف كليًا، قبل انفجار عدد السكان، وقبل تضخم الاقتصاد غير الرسمي، وقبل تغير أنماط الاستهلاك والبيع. آنذاك، لم يكن هناك حديث عن ملايين الباعة الجائلين، ولا عن أسر كاملة تعتمد على هذا النشاط كمصدر رزق وحيد.

 

الفلسفة الحاكمة لهذا القانون تقوم على المنع والعقوبة، دون أن تقدم بديلًا أو مسارًا قانونيًا للتقنين. لا تراخيص واضحة، لا إجراءات مبسطة، لا اعتراف بالنشاط كجزء من الاقتصاد الوطني. النتيجة الطبيعية كانت استمرار الباعة في الشارع بلا تنظيم، واصطدام دائم مع المحليات، وموجات متكررة من الحملات الأمنية التي تنتهي غالبًا بعودة الوضع كما كان، أو أسوأ.

 

الأخطر أن هذا التشريع حوّل البائع الجائل إلى “مجرم محتمل” في نظر القانون، لا إلى عامل يسعى للرزق. ومع غياب أي حماية قانونية، أصبح البائع عرضة للمصادرة، والابتزاز أحيانًا، وفقدان مصدر دخله في لحظة، دون ضمان اجتماعي أو صحي، وكأن الدولة قررت إدارة الملف بالعصا فقط، ثم تعجبت من فشل التجربة.

 

ثانيًا: فلسفة جديدة.. من المطاردة إلى الدمج

 

مشروع القانون الجديد، بحسب ما أعلنه النائب أيمن محسب، يحاول كسر هذه الحلقة المفرغة عبر فلسفة مختلفة جذريًا: التقنين والدمج والتحفيز بدلًا من المطاردة والتجريم. هذه ليست مجرد شعارات، بل اعتراف صريح بأن الدولة لا يمكنها الاستمرار في معاملة ملايين الباعة كخارجين على القانون، بينما هي عاجزة عن تقديم إطار قانوني واقعي لهم.

 

التصور التشريعي المقترح يتضمن نظام ترخيص مبسط برسوم رمزية، وهو اعتراف ضمني بأن التعقيد والرسوم المرتفعة كانا سببًا رئيسيًا في رفض الباعة للتقنين. كما يشمل إدراج الباعة تحت مظلة التأمينات الاجتماعية والصحية، وهي خطوة بالغة الأهمية، لأنها تنقل البائع من الهشاشة المطلقة إلى حد أدنى من الأمان الاجتماعي.

 

الأهم أن المشروع يمنح المحليات صلاحيات أوسع لتخصيص أماكن وأسواق منظمة ومجهزة، بدلًا من سياسة “الإخلاء ثم البحث عن حل لاحقًا”. التجارب السابقة أثبتت أن نقل الباعة إلى أطراف المدن كان وصفة مؤكدة للفشل، لأن السوق لا يعيش بعيدًا عن حركة الناس. المشروع الجديد يعترف بهذه الحقيقة، ويضع التخطيط المكاني في قلب الحل، لا في هامشه.

 

ثالثًا: الحوافز أولًا.. والحزم لاحقًا

 

أحد أكثر جوانب المشروع حدة وواقعية هو إدراكه أن البائع الجائل لا يرفض التقنين من حيث المبدأ، بل يخشى التكلفة. لذلك، يتضمن مشروع القانون إعفاءً ضريبيًا كاملًا في السنة الأولى، وإعفاءً جزئيًا لمدة عامين، مع رسوم ترخيص مخفضة، وإتاحة الاشتراك في منظومتي التأمين الصحي والاجتماعي. هذه الحوافز ليست “منحة”، بل استثمارًا في دمج اقتصاد ظل ضخم داخل المنظومة الرسمية.

 

كما ينص المشروع على منح مهلة انتقالية كافية لتوفيق الأوضاع، وهو أمر بالغ الأهمية اجتماعيًا، لأن أي صدمة مفاجئة في هذا الملف قد تعني قطع أرزاق ملايين الأسر. الرسالة هنا واضحة: الدولة تمد يدها أولًا، وتوفر البدائل والحماية، ثم – وفقط بعد ذلك – تطبق القانون بحزم على من يرفض الالتزام.

 

هذه المعادلة، إذا طُبقت بصدق، قد تكون المرة الأولى التي يُدار فيها ملف الباعة الجائلين بعقل تنموي لا أمني فقط. فالعشوائية لم تعد مقبولة، نعم، لكن القسوة وحدها لم ولن تصنع نظامًا.

 

خاتمة

 

ملف الباعة الجائلين ليس قضية شارع فقط، بل قضية اقتصاد، وعدالة اجتماعية، وأمن مجتمعي. أكثر من 70 عامًا مرت والبائع الجائل بلا حماية حقيقية، يدفع ثمن فراغ تشريعي مزمن وفلسفة عقابية فاشلة. مشروع تعديل القانون، رغم أنه ليس حلًا سحريًا، يمثل فرصة نادرة لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة وهذه الفئة، على أساس الشراكة لا العداء. فإما أن نكمل طريق المطاردة بلا نهاية، أو نختار أخيرًا طريق التنظيم العادل، الذي يحمي البائع، وينظم الشارع، ويخدم مصلحة الدولة في آن واحد.