على غرار ما جرى في ملف «بلازما الدم» من تحويل أجساد المصريين إلى مورد نقدي في أزمة الدولار، جاء مقترح «بنك جلود بشرية» والتبرع بجلد المتوفين ليشعل مخاوف واسعة: سلخ المصريين أحياءً بالأسعار والفواتير والضرائب، ثم سلخهم أمواتًا لتصدير جلودهم أو لتوفير الدولار!
الاقتراح الذي تقدمت به النائبة أميرة صابر لإنشاء بنك وطني للأنسجة البشرية وعلى رأسها الجلد، قُدِّم رسميًا باعتباره حلًا لإنقاذ مصابي الحروق وتوفير ما تدفعه الدولة من عملة صعبة لاستيراد الجلد الطبيعي من الخارج، لكن طريقة التبرير – التركيز على «التوفير للدولة» قبل الحديث عن إنقاذ الأرواح – فتحت الباب لأسئلة خطرة حول رؤية السلطة لجسد المواطن: هل هو إنسان له كرامة… أم «خامة» في سوق مفتوح؟
من سلخ الأحياء بالضرائب إلى سلخ الأموات بالدولار
الغضب الشعبي من الفكرة لم يأتِ من فراغ؛ فمواطن يعيش تحت سكين الغلاء والضرائب والرسوم في كل خدمة، من الكهرباء إلى البنزين إلى التعليم، لن يتعامل بهدوء مع مقترح جديد يجعل جسده بعد الوفاة جزءًا من «خطة ترشيد الإنفاق وتوفير العملة الصعبة».
الكاتب منير نصّار (منير الخطير) ذهب في تعليقه إلى مقارنة صادمة، مستعيدًا تقارير مثيرة للجدل عن «بنك الجلد» في إسرائيل الذي يقال إن احتياطيه يصل إلى نحو 170 مترًا مربعًا من الجلود البشرية، في بلد تُسجَّل فيه معدلات رفض عالية للتبرع، متسائلًا: من أين تأتي هذه الكميات؟ ومن يُسلب جلده فعلًا؟ هذه المقارنة – بصرف النظر عن دقة الأرقام والاتهامات التي تحتاج لتوثيق وتحقيق مستقلين – تعكس شعورًا عميقًا بالخوف من أن يتحول المصري الفقير إلى «مورد خام» حيًّا وميتًا.
في المقابل، قدّمت د. ماجدة غنيم زاوية نقد أكثر اتزانًا: لو كانت هناك منظومة تشريعية ومؤسسية منضبطة تنظم التبرع بالأعضاء والأنسجة، يصبح التبرع بالجلد عملًا نبيلًا وعظيمًا لإنقاذ ضحايا الحروق. لكن ما يثير القلق – كما تقول – هو تبرير الاقتراح بأنه يوفر على الدولة النفقات؛ فالإنسان لا يتبرع بجسده من أجل ميزانية الدولة، بل من أجل إنقاذ إنسان آخر من الألم أو الموت.
لو فيه منظومةتشريعية ومؤسسية منضبطة تنظم التبرع بالأعضاء، يكون التبرع بالجلد شئ عظيم لضحايا الحروق وأمراض الجلد. لكن حتى في صياغة اقتراحها، بتبرره بالتوفير للدولة، عمر الإنسان ما بيتبرع بأعضائه علشان يوفر للدولة لكن علشان يرحم إنسان من عذابه أو ينقذ حياته https://t.co/T9T68n3ziL
— د. ماجدة غنيم (@magdaghonem) February 7, 2026
هذا التفاوت بين خطاب «الإنسانية» في النص الأصلي للمقترح، وخطاب «توفير الدولار» في التغطية الرسمية والإعلامية، هو ما يغذّي الشعور بأن المصري يُستنزَف مرتين: مرة وهو حي عبر الجباية، ومرة بعد موته عبر جسده.
بين إنقاذ الحروق وتسليع الجسد: ماذا تقول البحوث والمواثيق الدولية؟
من الناحية الطبية البحتة، لا خلاف على أن التبرع بالجلد يمكن أن ينقذ حياة آلاف مرضى الحروق، خصوصًا الأطفال الذين لا يتبقى في أجسادهم مواضع سليمة تصلح للترقيع الذاتي. دراسات متخصصة تشير إلى أن جلد المتوفين يُعتبر «المعيار الذهبي» في علاج الحروق العميقة، وأن نقص الجلد المتبرَّع به يرفع معدلات الوفاة بشكل كبير.
مساعد وزير الصحة نفسه أكد أن ما يُؤخذ هو الطبقة السطحية جدًّا من الجلد، بسُمك لا يتجاوز نصف مليمتر، ومن أماكن غير ظاهرة كالظهر والفخذ، دون تشويه لجثمان المتوفى.
لكن جوهر الأزمة ليس في «الفعل الطبي» بل في الإطار الأخلاقي والقانوني والسياسي الذي يُوضع فيه. هنا يظهر دور ثلاثة أصوات عالمية من البحوث يمكن الاستفادة منها:
- البروفيسور ماريه سلابرت (جامعة بريتوريا) في دراسة قانونية عن تبرع الجلد لضحايا الحروق تحذر من أن غياب إطار تشريعي واضح وشفاف يفتح الباب لاستغلال الفئات الأضعف، والتلاعب بمفهوم «الرضا الحر»، وأن الحاجة الملحّة للجلد لا تبرر تحويله إلى سلعة في سوق بلا قواعد.
- الدكتور PB Anup في دراسة منشورة عام 2024 عن حصاد واستخدام جلد المتوفين، يشدد على ضرورة وجود موافقة مكتوبة، ومراجعة لجنة أخلاقيات مستقلة، واحترام صارم لكرامة الجسد حتى بعد الموت، وإلا تحولت بنوك الجلد إلى «صناديق سوداء» لا يعلم أحد كيف ولمَن يُجمع منها.
- الأنثروبولوجية نانسي شيبر-هيوز، إحدى أبرز من درسوا تجارة الأعضاء عالميًا، تحذر منذ سنوات من أن ربط الأعضاء والأنسجة البشرية بأزمات اقتصادية وباختلال ميزان القوى بين الدول والفئات، يحوّل أجساد الفقراء إلى «مناجم قطع غيار» لصالح الأغنياء، وأن الخط الفاصل بين التبرع الطوعي والاتجار قد ينهار متى دخل منطق السوق بلا ضوابط.
منظمة الصحة العالمية بدورها وضعت «مبادئ توجيهية» لزراعة الأعضاء والأنسجة تشترط ثلاثة أمور أساسية: المنع الصارم لأي شكل من أشكال البيع أو المقابل المادي، وضرورة الشفافية في التبرع والتوزيع، وإدارة العملية بالكامل تحت رقابة الدولة وبمعايير أخلاقية واضحة. والسؤال: هل ثقة المصريين في مؤسسات دولتهم تسمح بتسليمها هذه الصلاحية دون ضمانات قوية ومستقلة؟ المشهد العام لا يقول ذلك.
رأي الأزهر ودار الإفتاء: جواز «التبرع» لا يعني جواز «التسليع»
على المستوى الشرعي، الصورة أكثر توازنًا مما يحاول البعض تصويره. دار الإفتاء المصرية أصدرت فتاوى متكررة تجيز التبرع بالأعضاء – من الحي أو من المتوفى – بشرطين أساسيين: حاجة علاجية ملحّة، وموافقة صريحة من الشخص قبل موته أو من ورثته بعد وفاته، مع حظر أي بيع أو تجارة في أعضاء البشر.
لجنة الفتوى في الأزهر الشريف، وعدد من المجامع الفقهية، اعتبرت زراعة الأعضاء – بما فيها الأنسجة – من باب «حفظ النفس» أحد مقاصد الشريعة، متى توفّر الاطمئنان إلى عدم الإضرار بالمتبرع وعدم امتهان الجسد أو بيع أجزائه. وفي المقابل، حذّر أساتذة في الفقه المقارن مثل د. أحمد كريمة من أن التبرع بالجلد تحديدًا مسألة «خلافية» بين العلماء، وأنه لا يجوز تمريرها دون مناقشة فقهية أعمق وضوابط دقيقة تضمن أن تظل العملية «صدقة جارية» لا «مشروع استثمار».
تصريحات هبة السويدي، مؤسسة مستشفى «أهل مصر» للحروق، تكشف الوجه الإنساني الحقيقي للقضية؛ فهي تتحدث عن أطفال حروق لا يجد الأطباء في أجسادهم موضعًا واحدًا سليمًا للترقيع، وعن أمهات يتوسلن: «خدوا من جلدي بس ابني يعيش»، وتؤكد أن دار الإفتاء حسمت الجدل لصالح جواز التبرع متى توفرت الضوابط.
الخلاصة أن التبرع بالجلد يمكن أن يكون عمل رحمة عظيمًا إذا انطلق من ثلاث ثوابت:
- أنه تبرع حر لإنقاذ حياة إنسان لا وسيلة لتخفيف أعباء موازنة منهكة أو لجلب الدولار.
- أنه يخضع لقانون صارم ورقابة مستقلة وشفافية كاملة تمنع أي شكل من الاتجار أو التصدير أو التمييز بين الفقراء والأغنياء في الاستفادة.
- أنه يَصدُر عن خطاب رسمي صادق يحترم كرامة المواطن حيًّا وميتًا، بدل خطاب سلطة اعتادت سلخه بالأسعار والضرائب، ثم جاءت اليوم تطلب جلده حرفيًا وهو في قبره.
بين «بنك الجلد» كطوق نجاة لضحايا الحروق، و«بنك الجلد» كرمز جديد لنهش أجساد المقهورين، تقف الكلمة الفاصلة عند المصريين أنفسهم: هل يقبلون أن يتحولوا إلى «مورد خام» آخر في جمهورية الجباية… أم يفرضون على الدولة أن تفرّق بين التبرع والاتجار، وبين الرحمة والابتزاز؟

