تجددت أزمة نقص الأدوية في مصر لتكشف مرة أخرى هشاشة ما يسمى بـ"الأمن الدوائي" في بلد يتباهى مسؤولوه بأن الصيدليات "مليانة" والعلاج "متوفر"، بينما تُترك ملايين الأسر وجها لوجه أمام وصفات تُعاد صياغتها في الصيدليات، وأدوية تختفي من الأرفف، ومثيل مصري يتبخر لصالح بدائل مستوردة بأسعار مضاعفة، تجعل العلاج رفاهية لا يقدر عليها إلا القادرون.

بين تصريحات رسمية مطمئنة وواقع قاسٍ يعيشه أصحاب الأمراض المزمنة يوميًا، يبرز سؤال لا تريد حكومة الانقلاب الاقتراب منه: من المستفيد من اختفاء المثيل المصري، ومن يقف خلف ازدهار بيزنس الدواء المستورد على حساب صحة الفقراء وحقهم في الحياة؟

 

وصفات يعاد تأليفها في الصيدليات: المريض رهينة لما هو متاح لا لما هو مناسب

 

ما يجري في عيادات الأطباء لا يشبه ما يواجهه المرضى في الصيدليات.

الطبيب يكتب وصفة محددة بناء على حالة المريض، لكن هذه الوصفة لا تصل كاملة إلى من يحتاج الدواء؛ إذ يجري "تفصيل" العلاج وفق ما هو متاح في رفوف الصيدلية، لا وفق ما يراه الطبيب مناسبًا.

في النهاية يصبح المريض رهينة لعشوائية السوق، ولسياسة "اللي موجود نمشي بيه".

 

في الإسماعيلية يقف عبد الله سلطان ممسكًا بروشتة تخص طفله "يوسف" المصاب بحساسية صدرية، يبحث عن بخاخ صغير بحجم كف اليد، لكنه بحجم حياة كاملة لطفل لا يستطيع التنفس دون هذا الدواء.

الرد واحد في أغلب الصيدليات: "للأسف مش متوفر".

لا الدواء الأصلي موجود، ولا حتى المثيل المصري الأرخص، فيما يطل البديل المستورد بسعر 240 جنيهًا، يُضاف إليه دواء آخر يتجاوز 500 جنيه، وأقراص بـ230 جنيهًا. أسرة واحدة تُجبَر على مطاردة دواء عبر المحافظات، كي يحصل طفل على أبسط حقوقه: أن يتنفس.

 

القصة لا تتوقف عند طفل إسماعيلية.

في بيت آخر تعيش "نبيلة" تحت حصار ألم أعصاب مزمن، كانت تسكنه حبة واحدة يوميًا من دواء "تيبونيا فورت".

خلال ستة أشهر، بدأ الدواء يختفي تدريجيًا إلى أن توارى تمامًا، لتتحول رحلة اليومية إلى جولة مهينة بين الصيدليات بحثًا عن دواء أصبح الرد عليه: "ناقص وغير متوفر". الألم هنا لا يتعلق بالأعصاب فقط، بل بكرامة مريضة تُعامَل كأن علاجها رفاهية يمكن الاستغناء عنها.

 

الأخطر أن أدوية أمراض حساسة ومزمنة تختفي المادة الفعالة فيها من السوق.

في حي المعادي يؤكد صيدلي بإحدى السلاسل الشهيرة اختفاء مادة "سالميترول" لمرضى الربو، مع بقاء بديل مستورد بسعر 385 جنيهًا، بينما "المثيل المصري" الأرخص غائب؛ لأن شركات التوزيع ببساطة لا ترى فيه مكسبًا كافيًا.

في الإسكندرية تختفي "بريجابالين" لعلاج الأعصاب، ولا تتوفر إلا بشروط صارمة باعتباره "جدولًا"، وفي سوهاج تؤكد صيدلانية أن "سيتاجليبتين" لمرضى السكري "غير موجود على السيستم في أي فرع"، ليبقى مريض السكري بلا علاج منتظم.

هكذا يتحول الدواء من حق إلى امتياز، ومن خدمة إلى سلعة تخضع لمزاج التوزيع وربحية الشركات.

 

اقتصاديات الدواء القاتلة: تسعير جبري وخامات مستوردة وضحية اسمها المريض

 

خلف الرف الفارغ في الصيدلية، تختبئ معادلة اقتصادية معقدة لكنها في النهاية تنتهي إلى نتيجة واحدة: المريض هو الحلقة الأضعف التي تُكسر أولًا.

مدير إنتاج بإحدى شركات الأدوية الكبرى، قضى 30 عامًا في المجال، يكشف أن أصل الأزمة يكمن في المواد الخام.

مصر، التي تتحدث حكومتها ليل نهار عن "الاكتفاء" و"التوطين"، لا تمتلك مصنعًا واحدًا حقيقيًا للخامات الدوائية، وتعتمد كليًا على الاستيراد من الهند والصين.

كل شحنة خام ترتبط بسعر الدولار، وبقرارات استيراد، وببيروقراطية مُنهِكة، ثم تأتي الدولة لتفرض "التسعير الجبري" على المنتج النهائي دون أن تتحمل هي أي مخاطرة.

 

الشركات تقف بين فكي كماشة: إما استخدام خامات أوروبية عالية الجودة بتكلفة مرتفعة لا تقبل بها هيئة الدواء عند التسعير، وإما خامات آسيوية أقل تكلفة لكنها أيضًا أقل فاعلية وإن كانت "مطابقة للمواصفات نظريًا"، أو الخيار الثالث: وقف إنتاج الأصناف الرخيصة التي لا تغطي تكلفتها التشغيلية أصلًا.

أمام شركة دواء ربحية في النهاية، يكون القرار بديهيًا: توقف إنتاج الدواء الرخيص، وليذهب المريض إلى "بديل مستورد" أغلى، أو لا يجد شيئًا على الإطلاق.

 

سياسات التسعير الجبري التي تتباهى بها حكومة الانقلاب أمام الكاميرات، تتحول في الواقع إلى سلاح يرتد في صدر المريض؛ فبدل أن تُلزم الدولة الشركات بإنتاج أدوية أساسية وتدعم الفارق من موازنة الصحة، تُترك الشركات لتنسحب من الأدوية الخاسرة في صمت، بينما يواصل المسؤولون إنكار وجود أزمة من الأساس.

النتيجة: خريطة دواء غير مستقرة، خطوط إنتاج تتوقف، أصناف تختفي فجأة، وأطباء يُضطرون إلى تغيير الوصفات كل شهر، في مغامرة صحية خطرة على أصحاب الأمراض المزمنة.

 

الأمن الدوائي بين شركات جشعة ودولة غائبة ومرضى بلا صوت

 

في خطاب شركات التوزيع والإنتاج، يتنصل كل طرف من المسؤولية؛ مدير توزيع بإحدى الشركات الكبرى يؤكد أن شركات التوزيع "مجرد وسيط"، وأن الأزمة في الإنتاج، بينما نقابة الصيادلة تشير إلى أن هامش ربح الدواء المحلي أعلى من المستورد بما يفترض أن يدفع الصيدلي لتفضيله.

نقيب صيادلة القاهرة يُرجع الأزمة إلى "ثقافة الأطباء" المتمسكة بأسماء تجارية بعينها، أو توقف خطوط الإنتاج، وينفي وجود مؤامرة من الصيدليات لحجب الدواء الرخيص.

لكن النتيجة على الأرض لا تكذب: مثيل مصري يختفي، ومستورد يزدهر، وسوق مفتوح على حساب المرضى.

 

استشاري جراحة القلب، الدكتور محمد صبري، يؤكد أن "المثيل المصري" في أغلب الحالات يمتلك كفاءة طبية مقاربة للمستورد، وأن تفضيل الأطباء للعلاج الأجنبي مرتبط أحيانًا بالاعتياد أو بالدعاية.

ومع ذلك يحذر من التبديل المستمر بين الأسماء التجارية للمادة الفعالة نفسها بالنسبة لمرضى الأمراض المزمنة، لأن هذا التلاعب بالسوق يُترجم طبيًا إلى عدم استقرار في الحالة الصحية، وتذبذب في المؤشرات الحيوية، وانقطاع مفاجئ في العلاج حين يختفي دواء ويظهر آخر أغلى.

 

من زاوية أخرى، يذكّر محمود فؤاد، رئيس المركز المصري للحق في الدواء، بتجربة "شركة النصر للخامات الدوائية" التي كانت في الستينيات عمود الأمن الدوائي في مصر قبل أن تطيح بها سياسات الخصخصة والتجريف المنهجي للقطاع العام.

 

تصفية الشركة لم تكن مجرد قرار اقتصادي، بل كانت رصاصة في قلب القدرة الوطنية على حماية المرضى من ابتزاز الدولار ومن تحكم الأسواق العالمية في مصيرهم.

اليوم تُترك الشركات الوطنية والخاصة على حد سواء لشراء الخامات من الخارج بالدولار، دون وجود ذراع سيادي حقيقي ينتج المواد الأساسية ويضمن استقرار السوق.

 

في ظل هذه المعادلة، يصبح الحديث الرسمي عن "توطين صناعة الدواء" و"توفير البدائل المحلية" مجرد شعارات للاستهلاك الإعلامي.

ما يحدث فعليًا هو تفكيك متعمد لمنظومة الأمن الدوائي، وترك المرضى فريسة لمافيا استيراد، وشركات تستثمر في المرض لا في الصحة، وحكومة انقلاب لا ترى في الدواء حقًا دستوريًا وإنسانيًا، بل بندًا قابلًا للتفاوض والمساومة.

اختفاء المثيل المصري ليس صدفة ولا سوء حظ، بل نتيجة مباشرة لسياسات منحازة لرأس المال على حساب الجسد المريض، ولسكوت رسمي عن فوضى أسعار، وضعف رقابة، وإهمال متعمد لتأسيس قاعدة إنتاج حقيقية لخامات الدواء.

 

في النهاية، لا يحتاج المواطن إلى بيانات منمقة ولا تصريحات مطمئنة، بل إلى أن يجد دواءه في الصيدلية بسعر يستطيع دفعه.

ما لم يُعاد بناء مفهوم "الأمن الدوائي" باعتباره جزءًا من الأمن القومي، مع استعادة دور الدولة الإنتاجي، وتقييد جشع الشركات، وإجبارها على إنتاج الأدوية الحيوية حتى لو بدعم مباشر من الموازنة، فإن المصريين سيظلون يسددون فاتورة المرض مرتين: مرة من صحتهم، ومرة من قوت يومهم.

وفي كل الأحوال، يبقى السؤال مفتوحًا: من يحاسب من حوّل الدواء إلى وسيلة ابتزاز، والمريض إلى زبون في سوق بلا ضمير؟