لا تبدو الأسابيع الأخيرة مجرد “تشديدات روتينية” كما يحاول بعض المسؤولين أو ممثلي الجاليات تصويرها، بل أقرب إلى نمط متسارع من التوقيف والاحتجاز يطال لاجئين وطالبي لجوء—بينهم كبار سن ومرضى وأطفال—في وقت يفترض أن تُحسم فيه أوضاعهم عبر مسارات قانونية واضحة لا عبر الدوران بين الأقسام والنيابات ومقار الجوازات. شهادات من متطوعين وناشطين، وتقارير حقوقية، تتحدث عن “قبض عشوائي” حتى لحاملي بطاقات المفوضية، وعن دوامة إدارية تُبقي أشخاصًا لأيام داخل حلقة لا تنتهي، بينما تتصاعد بالتوازي حملة رقمية تدعو إلى “ترحيل جميع اللاجئين”، وكأن الرأي العام يُجهَّز مسبقًا لتقبّل إجراءات استثنائية ضد فئة أضعف من أن تدافع عن نفسها.

 

القبض العشوائي… حين تصبح بطاقة المفوضية “ورقة بلا وزن”

 

وفق روايات متطوعين يتابعون المحتجزين، فإن ما يحدث ليس مجرد تدقيقات على “مخالفي الإقامة”، بل توسّع في التوقيف ليشمل أشخاصًا يحملون بطاقات مفوضية اللاجئين أو ينتظرون مواعيد التجديد، بما يعني عمليًا أن وثيقة الحماية تتحول إلى تفصيلة ثانوية أمام حملة ميدانية تبحث عن “نتيجة سريعة”. تقرير “المنصة” نقل عن متطوعة سودانية وصفًا لاعتقالات واسعة في أكثر من قسم شرطة بالإسكندرية، وتوزع الاحتجاز بين أقسام مثل العجمي (في حالات السودانيين) والمنتزه أول وثان والعطارين (في حالات السوريين).

 

الأشد قسوة ليس لحظة التوقيف وحدها، بل ما يليها: مسار إداري متكرر يجرّ المحتجز من قسم إلى نيابة إلى توصية بالرجوع لجهات “الهجرة والجوازات والأمن الوطني”، ثم العودة للقسم، ثم إعادة التحرك في اليوم التالي، مع ما يرافق ذلك من ضياع أيام العمل، وتوتر الأسر، وانعدام اليقين. في هذه الحلقة، يصبح “إخلاء السبيل” مجرد محطة مؤقتة لا نهاية حقيقية، لأن الشخص يُعاد عمليًا إلى نقطة الصفر. وهذا بالضبط ما يجعل الاحتجاز—حتى لو تم دون عنف مباشر—عقوبة مُقنّعة تُفرض على الناس عبر الإرهاق والزمن.

 

وتزداد الخطورة حين يمتد الأمر إلى القُصّر. الإشارة إلى توقيف أطفال دون 16 عامًا رغم وجود إقامة سارية (وفق شهادات المتابعة) تعني أن المسألة تجاوزت “التأكد من الأوراق” إلى منطق الشبهة الجماعية: جنسية معينة تتحول إلى مؤشر خطر، والشارع يتحول إلى نقطة فرز. وحتى إذا قيل إن الحالات “استثنائية”، فمجرد حدوثها—ولو مرات قليلة—يكفي لإطلاق إنذار بأن معايير الاستهداف توسعت بلا حواجز واضحة.

 

تحريض رقمي منسّق… صناعة “غضب” يبرّر الاستثناء

 

التوازي بين التصعيد الميداني والحملة الرقمية ليس تفصيلة جانبية. منصة “صحيح مصر” تحدثت عن حملة إلكترونية منسقة ضد اللاجئين تزامنت مع توقيفات واحتجازات، مع تحليل لبنية الانتشار وآليات إبقاء الوسوم والخطاب في الصدارة، بما يوحي بأن “الترحيل” لا يُقدَّم كحل إداري، بل كطلب شعبي مُلحّ يُراد له أن يبدو طبيعيًا ومشروعًا.

 

هنا تُصنع أخطر معادلة: خطاب رقمي يحمّل اللاجئين مسؤولية أزمات الاقتصاد والخدمات والأمن، ثم حملة ميدانية تُقدَّم باعتبارها “استجابة” لهذا المزاج، فيتبادل الطرفان الشرعية: التحريض يبرر القبضة، والقبضة تمنح التحريض “دليلًا” على أن المشكلة حقيقية. هذا النوع من الدائرة المغلقة يفتح الباب أمام إجراءات تتجاوز القانون: توقيفات بلا معايير شفافة، احتجازات مطوّلة دون سقف، وتهديد دائم بالإبعاد، خصوصًا عندما تكون إجراءات تقنين الوضع نفسها بطيئة ومعقدة.

 

وفي المقابل، تحركات حقوقية واسعة حذّرت من هذا المسار بوصفه “ترحيلًا مقنّعًا” عبر دفع الناس إلى وضع غير مقنن ثم معاقبتهم عليه. بيان مشترك (22 يناير 2026) وقّعت عليه منظمات بينها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومنصة اللاجئين في مصر، طالب بوقف التوقيفات والاحتجازات والإبعاد القسري، وبمسارات عملية لتقنين الأوضاع وتقليص مدد الانتظار والاعتراف بالمستندات المؤقتة، مع ضمان رقابة قضائية فعالة على أي احتجاز متعلق بالهجرة واللجوء وتمكين المفوضية من الوصول للمحتجزين.

 

المسألة إذن ليست “منشورات كراهية” على السوشيال فقط؛ بل بنية ضغط كاملة: شيطنة في الفضاء العام، ثم تضييق إداري، ثم ملاحقة ميدانية، ثم تصوير الأمر كأنه “إدارة سيادية” لا علاقة لها بحقوق الإنسان. والنتيجة العملية واحدة: لاجئ يخرج من خطر الحرب ليقع في خطر اللااستقرار اليومي، حيث أي كمين أو حملة قد تعيده إلى نقطة الاحتجاز.

 

قانون اللجوء الجديد… نصوص على الورق وواقع يبتلع الضمانات

 

المدهش أن هذا التصعيد يأتي بعد صدور قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، الذي أنشأ لجنة دائمة تتبع رئيس مجلس الوزراء لتكون جهة مختصة بشؤون اللاجئين وإدارة البيانات والتنسيق. وجود قانون ولجنة يُفترض أن يفضي إلى وضوح في الإجراءات وتحديد مسؤوليات ومساءلة، لا إلى اتساع مساحة “الإجراءات الاستثنائية” في الشارع.

 

كما أن مصر—وفق مفوضية اللاجئين—تستضيف أكثر من 914 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلين من 61 جنسية، مع كون السودانيين الأكبر عددًا يليهم السوريون منذ أكتوبر 2023. هذا الحجم وحده يجعل إدارة الملف بمنطق الحملات المتقطعة وصفة مؤكدة للفوضى: لأن التوقيفات الجماعية لا تعالج الجذر (إجراءات التسجيل/الإقامة/المواعيد/التجديد)، بل تزيد الضغط على المنظومة وتراكم الشكاوى وتدفع الناس إلى الاختباء والعمل غير الرسمي وتجنب المؤسسات.

 

وعندما كسرت وزارة الداخلية الصمت بخصوص فيديو متداول، قالت إن واقعة القبض التي ظهرت صحيحة لكنها حدثت في الإسكندرية، وربطت السبب بدخول الشخص “بطريقة غير شرعية”، مع نفي روايات أخرى متداولة بشأن محافظة الجيزة. هذا الرد—حتى لو أغلق ملف فيديو بعينه—لا يجيب عن الأسئلة الأكبر التي طرحها نشطاء: كم عدد الموقوفين منذ يناير؟ ما مسار من صدرت لهم قرارات إخلاء سبيل؟ هل تطول الحملات أطفالًا أو أصحاب إقامات سارية أو حاملي بطاقات مفوضية؟ وما ضمان معرفة الأسر بمكان ذويها عند نقلهم بين أقسام ومحافظات؟

 

الخلاصة القاسية أن “القبضة الأمنية” وحدها لا تصلح كسياسة لجوء، بل تُنتج هشاشة متواصلة. إذا كانت الدولة تريد إدارة الملف بجدية، فالمعيار ليس عدد الموقوفين، بل: مسارات قانونية سريعة وشفافة لتقنين الأوضاع، سقف زمني للاحتجاز الإداري، بدائل غير احتجازية، وصول فعّال للمفوضية والشركاء القانونيين، وتواصل رسمي يشرح الإجراءات بدل ترك المجال للتحريض. دون ذلك، سيظل اللاجئ يدور يوميًا بين القسم والنيابة والجوازات—وتظل مصر تدفع كلفة صورة دولة تُدار فيها ملفات بشرية شديدة الحساسية بمنطق “حملة” لا بمنطق “نظام”.