مع كل موسم دراسي، تتكرر الشكاوى نفسها: مصروفات المدارس الخاصة والدولية تقفز بلا سقف مفهوم، ثم تُستكمل بـ“ذيل” طويل من الرسوم الإلزامية تحت مسميات لامعة.

وفي الخلفية، يظهر سؤال أكبر من الفواتير: أين رقابة الدولة حين يصبح التعليم سوقًا مغلقًا يفرض شروطه على من لا يملك بديلًا؟

هذا هو جوهر طلب الإحاطة الذي تقدمت به النائبة نشوى الشريف إلى رئيس الوزراء ووزير التربية والتعليم، معتبرة أن ما يجري “فوضى حقيقية” تستنزف الأسر وتنسف تكافؤ الفرص.

 

وفي الوقت نفسه، تعود النائبة نفسها لملف مختلف ظاهريًا لكنه يحمل المنطق ذاته: تطبيق قانون الكشف عن تعاطي المخدرات بين العاملين بالجهاز الإداري للدولة.

هنا أيضًا تتحدث عن شكاوى وإنهاء خدمات “بالجملة” دون تدقيق كافٍ في حالات إيجابية ناتجة عن أدوية موصوفة طبيًا، أو دون تمكين الموظف من ضمانات إجرائية واضحة.

 

مدارس خاصة ودولية… “مصروفات” على الورق وابتزاز بالرسوم في الواقع

 

وفق ما ورد في طلب الإحاطة، المشكلة ليست في زيادة سنوية معلنة فقط، بل في ما يشبه “تقطيع الفاتورة”: قسط يرتفع، ثم رسوم إضافية إجبارية تتدحرج تحت لافتات (أنشطة، خدمات، أدوات، تكنولوجيا، رحلات)، كأن المدرسة تبيع التعليم قطعة قطعة. النائبة وصفت ذلك بمخالفة للضوابط، وبأنه يُحمِّل أسرًا لا تملك خيار الرفض أعباء تفوق قدرتها.

 

الأخطر -بحسب الطرح البرلماني- هو تحويل احتياجات الطالب إلى باب احتكار: إلزام أولياء الأمور بشراء الـSchool Supplies والزي والكتب الإضافية من منافذ محددة داخل المدرسة أو جهات بعينها وبأسعار “مبالغ فيها”، في مشهد يُعامل الأسرة كعميل مُجبر لا كطرف في خدمة تعليمية لها ضوابط اجتماعية ودستورية.

هذا السلوك، إن ثبت، لا يرفع التكلفة فقط؛ بل يخلق تعليمًا بطبقتين: من يدفع يُكافأ، ومن يعجز يُعاقَب.

 

ضوابط موجودة… لكن الرقابة “تتأخر” حتى تصبح بلا معنى

 

اللافت أن الحديث عن “غياب المعايير” يصطدم بحقيقة أخرى: الوزارة نفسها تُعلن شرائح محددة لزيادات المصروفات، وتؤكد حظر تحصيل مبالغ تتجاوز المقرر، مع التلويح بإجراءات تصل إلى وضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري، وقد تمتد لعقوبات أشد في المخالفات الجسيمة.

 

لكن الواقع الذي تلتقطه الشكاوى—وفق تقارير صحفية—هو أن بعض المدارس تلتف على الضوابط عبر “مصروفات جانبية” (كتب، أدوات، خدمات) لا تدخل رسميًا ضمن المصروفات المعتمدة، فيتحول الالتزام على الورق إلى مجرد واجهة، بينما تُسترد الزيادة عبر أبواب خلفية.

حتى تقارير إعلامية أشارت إلى أن الوزارة تحذر دوريًا من تحصيل مصروفات أكثر من المقرر، وأن المخالفات قد تقود للإشراف المالي والإداري، ما يعني أن أدوات الردع موجودة نظريًا، لكنها لا تُشعر ولي الأمر بالحماية حين يقف وحيدًا أمام مدرسة تفرض الأمر الواقع.

 

هنا تتضح حدة المفارقة: الدولة تتحدث عن “تكافؤ فرص”، ثم تتركه يتآكل تدريجيًا عبر فاتورة تعليم تتضخم بلا شفافية كافية.

الرقابة التي لا تمنع المخالفة قبل وقوعها تتحول إلى إجراء تجميلي، وإلى شكاوى موسمية تنتهي غالبًا بوعود، بينما تبقى المعادلة ثابتة: ادفع أولًا… ثم ناقش لاحقًا.

 

قانون 73… مكافحة الإدمان بلا إنصاف تتحول إلى ماكينة فصل

 

في الملف الثاني، لا يجادل أحد في مبدأ حماية المرفق العام من التعاطي. لكن جوهر الأزمة—كما تطرحه النائبة—هو “كيفية التطبيق”: الاعتماد على نتائج أولية دون استكمال إجراءات تحقق كافية، وتجاهل تقارير طبية في حالات تناول أدوية، وعدم إخطار الموظف بحقوقه الإجرائية بما يحفظ له فرصة الدفاع عن نفسه قبل أن يتحول الاشتباه إلى قرار ينسف حياة أسرة كاملة.

 

واللافت أن اللائحة التنفيذية نفسها تتضمن مسارات يفترض أنها تُغلق باب الظلم إذا طُبِّقت بصرامة: تُلزم العامل بالإفصاح عن الأدوية والعقاقير التي يستخدمها بصفة مستمرة عبر شهادة طبية معتمدة، وتسجيل ذلك قبل التحليل. كما تُنظم الانتقال للفحص والتحقق من هوية العينة وإجراءات الكشف.

 

وعند ثبوت إيجابية العينة، تنص اللائحة على وقف إجراءات شغل الوظيفة مؤقتًا وإتاحة التحليل التأكيدي، ثم تفتح بابًا أكثر حساسية: حق العامل أو المرشح في الاحتكام إلى مصلحة الطب الشرعي خلال 24 ساعة من ظهور نتيجة التحليل الاستدلالي لإعادة الفحص أو لتوقيع الكشف الطبي لإثبات الحالة الطبية وما إذا كانت هناك أدوية قد تؤثر على النتيجة.

وفي المقابل، تؤكد اللائحة أن تأكيد الإيجابية يقود إلى إنهاء خدمة العامل بقوة القانون، أو استبعاد المرشح.

 

هنا بالضبط يصبح السؤال سياسيًا واجتماعيًا لا قانونيًا فقط: إذا كانت هذه الضمانات موجودة نصًا، فكيف تصل شكاوى تقول إن موظفين لم يُمكَّنوا عمليًا من التظلم أو إعادة التحليل في الوقت المحدد؟ وكيف يُدار ملف بهذه الخطورة بمنطق “الإجراء الأسرع” بدل “الإجراء الأعدل”؟

 

في المحصلة، طلبا الإحاطة يضعان الدولة أمام اختبار واحد بوجهين: هل تُدار الخدمات والقوانين بروح الحماية العامة أم بروح الجباية والعقوبة؟ في التعليم، الحماية تعني سقفًا واضحًا ورسومًا شفافة ومنع الاحتكار داخل المدارس قبل أن تُنهك الأسر.

وفي قانون المخدرات، الحماية تعني تطبيقًا لا يخلط بين الردع والظلم، ولا يترك مواطنًا يسقط بسبب إجراء ناقص أو إخطار غائب. دون ذلك، سنظل ندور في الحلقة نفسها: “نصوص” تبدو منضبطة… وواقع يدفع الناس ثمن فجوة التنفيذ.