لم يعد حضور الأكاديمية العسكرية المصرية مقتصرًا على تخريج ضباط الجيش وإدارة الكليات الحربية، بل تحوّل خلال العامين الأخيرين إلى مشروع سياسي ـ إداري متكامل لإعادة تشكيل النخبة المدنية في البلاد. من شاشات برامج الترفيه مثل برنامج «صاحبة السعادة» إلى دورات إلزامية للقضاة والدبلوماسيين والوعاظ والموظفين، تُدفع مؤسسات الدولة واحدة تلو الأخرى نحو بوابة عسكرية واحدة تعيد صياغة وعيها وهويتها تحت لافتة “الانضباط والأمن القومي”.
وراء هذه الصورة اللامعة التي ترسمها أذرع إعلامية تابعة لـ الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، يرى مراقبون أن ما يجري ليس مجرد تطوير في نظم التدريب، بل خطوة جديدة في مشروع أوسع لعسكرة الكوادر المدنية، وتقليم أظافر أي مسار بديل لانتقاء وإعداد النخبة، وعلى رأسها الأكاديمية الوطنية للتدريب التي تراجع نفوذها بشكل حاد منذ أواخر 2024.
تسويق عسكري على شاشات الترفيه: من «صاحبة السعادة» إلى هندسة العقول
الحلقة المطولة من برنامج «صاحبة السعادة» في 18 يناير لم تكن مجرد فقرة خفيفة للاحتفاء بشباب طموح.
ما عُرض كان جزءًا من حملة دعائية مصمَّمة بعناية؛ وجوه مختارة سلفًا، سبق أن ظهرت في فيلم ترويجي قصير، تُقدَّم للجمهور بوصفها النموذج الجديد للموظف “المنضبط” الذي لا يكتمل تعيينه في النيابة الإدارية أو وزارة الأوقاف إلا بعد المرور عبر بوابة الأكاديمية العسكرية.
المتدربون الذين ظهروا على الشاشة أكّدوا أنهم أُلزموا بدورات داخل الأكاديمية لاستكمال مسار عملهم، في رسالة واضحة للداخل قبل الخارج: الطريق إلى الوظائف الحساسة في الدولة لم يعد يمر عبر الجامعات أو الخبرة أو الكفاءة المهنية فقط، بل عبر التهذيب العسكري الإجباري، ولو بشكل مغلف بلغة التطوير والحداثة.
حساب “صحيح مصر” على منصة إكس وثّق هذا التوجه، موضحًا أن الاختيار لم يكن عفويًا ولا فرديًا، بل جزء من حملة أوسع لتحويل الأكاديمية إلى علامة تجارية سياسية وإدارية، تتولى إعداد الوجوه “الموثوقة” للنظام في القضاء والدبلوماسية والوعظ الديني والإدارة العليا.
🔴 أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسى، أول أمس الجمعة، انضمام القضاة إلى برامج "الأكاديمية العسكرية"، وذلك فى إطار ما اسماه "خطة الدولة لبناء وتطوير القدرات البشرية".
— صحيح مصر (@SaheehMasr) February 1, 2026
◾وقبل ثلاثة أيام، أعلنت "الأكاديمية الوطنية للتدريب" إنهاء الدورة التدريبية المخصصة لـ391 عضوًا من أعضاء مجلس النواب… pic.twitter.com/vl7lCr4H6l
بهذا الخطاب الناعم، تُغسل صورة المعسكر العسكري لصالح صورة “جامعة حديثة” تجمع بين الرياضة والانضباط ومحاضرات الأمن القومي والحرب السيبرانية، لكن الجوهر يبقى واحدًا: مؤسسة عسكرية تمتد بأذرعها إلى ما وراء الثكنات، لتضع بصمتها على وعي من يفترض أنهم ممثلو المجتمع المدني واستقلال سلطاته.
تقليم أظافر الأكاديمية الوطنية وصعود «مصنع الكوادر العسكرية المدنية»
منذ تأسيسها في 2017، قُدمت الأكاديمية الوطنية للتدريب كمنصة مدنية لصناعة النخبة، تحت إشراف سيادي مباشر، وكانت المشاركة في برامجها علامة على القرب من مركز القرار.
وزراء وضباط ومسؤولون ألقوا محاضرات عن الأمن القومي وحضور الأجهزة في كل قرار، وكانت الأكاديمية بوابة أساسية لتأهيل الشباب والموظفين وأعضاء البرلمان.
لكن هذا الدور بدأ يتآكل بعد أكتوبر 2024، حين تغيّر الجهاز المشرف عليها، لتتحول تدريجيًا إلى كيان اقتصادي يسعى لتعظيم موارده من خلال الشراكات المدفوعة مع القطاعين العام والخاص، واستقطاب فئات قادرة على دفع مقابل مادي للتدريب.
من منصة سيادية لصنع النخبة، إلى “شركة تدريب” تنافس في سوق واسع اسمه “كعكة التدريب” في الدولة.
في المقابل، تمددت الأكاديمية العسكرية خارج النص الحرفي لقانون إنشائها.
فالمؤسسة التي تأسست عام 2022 لتخريج ضباط القوات المسلحة، توسعت في أبريل 2023 بقرار من مجلس الوزراء، يلزم الموظفين المدنيين المقبلين على التعيين بدورة تأهيلية داخل الكلية الحربية لمدة ستة أشهر، رغم أن القانون لم ينص على هذا التوسع.
هنا بدأ التحول الحقيقي: من إعداد ضباط الجيش إلى إعداد القضاة والدبلوماسيين والرقابة الإدارية والوعاظ والمعلمين وغيرهم.
وفق توثيق “صحيح مصر”، أصبح تقسيم الأدوار كالتالي: الأكاديمية العسكرية تتولى تدريب “الوظائف الحساسة” كالقضاء والدبلوماسية، بينما تُركت الأكاديمية الوطنية لتدريب النواب الجدد والموظفين المعينين قبل 2023، مع التركيز على برامج إدارية وتنفيذية.
هذا التقسيم لم يكن مجرد ترتيب فني، بل رسالة سياسية واضحة: القرار الحقيقي في من يتولى إدارة مفاصل الدولة الحساسة يجب أن يبقى تحت عين المؤسسة العسكرية المباشرة، لا تحت مظلة كيان مدني ـ حتى لو كان خاضعًا بدوره للأجهزة.
حين يدخل القاضي الثكنة: عسكرة القضاء وتهديد ما تبقّى من استقلال الدولة
التحول الأخطر يظهر في ما أعلنه عبد الفتاح السيسي عن إدماج القضاة في برامج الأكاديمية العسكرية ضمن ما سماه “خطة بناء القدرات البشرية للدولة”.
على السطح تبدو عبارة لطيفة عن التطوير، لكن مضمونها يعني شيئًا واحدًا: القاضي الذي يفترض أن يكون مستقلاً، حَكَمًا بين الدولة والمواطن، يصبح متدربًا في معسكر يخضع لتراتبية عسكرية صارمة، ومحاضرات في “الأمن القومي” مقدَّمة برؤية السلطة ذاتها التي قد يقف أمامها المتقاضون.
المستشار محمد عوض عبّر عن هذا الخطر بوضوح شديد في تغريدته الشهيرة على منصة إكس، حين قال: «… أيما قاضٍ يلتحق بدورة عسكرية في الكلية الحربية… فهو لا يصلح أن يكون قاضياً… فالقاضي الحق يتسم بالعدل والإنصاف والنزاهة والاستقلال… وكل هذه المبادئ تُسحق تحت وطأة البيادة العسكرية المسلحة…»
قضاة مصر... أيما قاضي يلتحق بدورة عسكرية في الكلية الحربية... فهو لا يصلح أن يكون قاضياً... فالقاضي الحق يتسم بالعدل والإنصاف والنزاهة والإستقلال... وكل هذه المبادئ تُسحق تحت وطأة البيادة العسكرية المسلحة... ولن ينفعكم الطغاة البغاة الظالمين يوم العرض على الملك الجبار.…
— محمد عوض (@maessa500) January 31, 2026
كلمات عوض تكشف جوهر الإشكال: ليس المشكلة في “دورة تدريبية” بحد ذاتها، بل في المنطق الذي يقول إن القاضي أو عضو الرقابة الإدارية أو موظف الأوقاف أو الدبلوماسي يجب أن يحمل طبعة واحدة من التفكير، مُمَلاة من داخل مؤسسة مسلحة ترى العالم من زاوية “التهديد” و”الأمن” قبل أي شيء آخر.
إخضاع هذه الكوادر لدورات مكثفة في “الأمن القومي ومكافحة الإرهاب والحرب السيبرانية والتدريبات البدنية والانضباط الصارم” قد يبدو مفيدًا من زاوية السلطة التي تريد موظفًا مطيعًا لا يخرج عن الصف. لكن من زاوية المجتمع، يعني ذلك أن مؤسسات يفترض أن تكون متوازنة، متعددة الرؤى، مستقلة في ضميرها، تُدفع لتتشكل وفق قالب واحد: قالب العسكري الذي يتلقى الأوامر وينفذها.
مراسم التخرج التي تنظمها الأكاديمية العسكرية للقضاة وأعضاء هيئة الرقابة الإدارية وموظفي الأوقاف والمعلمين، مع مناقشة “بحوث التخرج” وعرض أفلام توثق مراحل التدريب، تزيد من هذا القلق. فالمشهد يجري بالكامل داخل بيئة عسكرية، بعَلَمٍ وسلاح وقيادات في المنصة، في حين يفترض أن يكون هؤلاء موظفين مدنيين يدينون في ولائهم الأول للدستور والقانون، لا لثقافة “الطاعة والانضباط” كما تُعرِّفها المؤسسة العسكرية.
في الخلفية، تستمر الأكاديمية العسكرية في أداء دورها المفهوم داخل القوات المسلحة: زيارات منظمة للملحقين العسكريين الأجانب لتعريفهم بقدرات الدفاع الجوي، استضافة شباب المصريين بالخارج في تدريبات صاعقة ومظلات، وتخريج دفعات جديدة من دارسي الاستراتيجية والحرب العليا بحضور قيادات من 27 دولة. هذا كله يقع ضمن المجال الطبيعي لأي جيش يسعى لتسويق قوته الردعية والعسكرية.
لكن غير المفهوم ـ بل المثير للقلق ـ هو هذا التمدد الأفقي للأكاديمية نحو قلب الجهاز الإداري والقضائي والديني للدولة، وتحويلها إلى بوابة شبه إجبارية للترقي والتعيين في الوظائف الحساسة. فحين يُعاد تشكيل وعي القاضي والواعظ والمعلم والدبلوماسي داخل ثكنة، يصبح السؤال المطروح: من يحكم مصر فعليًا؟ دولة مدنية بسلطات مستقلة، أم منظومة عسكرية تتخفى وراء أروقة المحاكم والوزارات والمساجد والبعثات الدبلوماسية؟
في النهاية، لا يدور الجدل حول “برنامج تدريبي” هنا أو “دورة تأهيلية” هناك، بل حول اتجاه سياسي كامل يسعى لعسكرة النخبة المدنية، وإعادة صبغ مؤسسات الدولة بلون واحد. ومع كل حلقة دعائية على الشاشات، وكل دفعة جديدة من القضاة والموظفين تعبر بوابة الأكاديمية العسكرية، يتقلص هامش الاستقلال المدني، وتُدق مسمارًا جديدًا في نعش ما تبقّى من فكرة الدولة المتوازنة التي تفصل بين الجيش باعتباره قوة لحماية الوطن، وبين مؤسسات العدل والإدارة والدين باعتبارها مؤسسات تخدم المجتمع لا السلطة وحدها.

