إعلان وزارة الصحة والسكان عن بدء تشغيل عيادات متخصصة لعلاج سوء استخدام وإدمان الإنترنت والألعاب الإلكترونية، ضمن مبادرة “صحتك سعادة”، يبدو لأول وهلة خطوة عصرية لمجاراة تحولات العصر الرقمي.
لكن تحت هذا الغلاف البراق، يثور سؤال أكثر قسوة: هل نحن أمام سياسة صحية جادة تعالج أوجاع المصريين الفعلية، أم أمام مشروع دعائي جديد يتهرب من مواجهة الانهيار الهادئ لمنظومة الرعاية الأساسية؟
في وقتٍ تتكدس فيه أقسام الطوارئ، وتختفي التخصصات الدقيقة من المستشفيات الحكومية، ويتحول الطبيب المصري إلى “مهاجر إجباري” بحثًا عن أجر كريم واحترام مهني، تبدو عيادات “إدمان الإنترنت” أقرب إلى رفاهية متأخرة في بلدٍ لم يوفر بعد أبسط حقوق المرضى في العلاج والدواء.
إدمان الإنترنت.. عنوان جذاب يخفي عجز الدولة عن علاج الأمراض الحقيقية
تقدّم وزارة الصحة المشروع بوصفه “استجابة علمية” لظاهرة الإدمان الرقمي، وتؤكد أن العيادات تستهدف جميع الفئات العمرية، وتعمل من خلال تشخيص مبكر، وتحديد “ساعات آمنة” لاستخدام الإنترنت، إلى جانب حملات توعية.
على الورق، تبدو الخطة متماسكة، لكن عند مقارنتها بواقع المستشفيات والوحدات الصحية، تتحول إلى علامة استفهام كبيرة حول أولويات الدولة.
الدكتور أحمد فؤاد، أحد أطباء المجتمع المدني، يلخص المعضلة بوضوح حين يقول إنه “من غير المنطقي تخصيص موارد لعلاج الإدمان الرقمي بينما آلاف المرضى لا يجدون أطباء متخصصين في الأمراض المزمنة كالسكري والقلب”، في إشارة مباشرة إلى أن النظام الصحي يعاني من نزيف حاد في الكوادر، وهجرة جماعية للأطباء، وغياب بيئة عمل محترمة.
المفارقة أن وزارة الصحة تتحدث عن “ساعات آمنة للإنترنت”، بينما لا تستطيع حتى الآن أن تضمن “ساعات آمنة على سرير المستشفى” لمريض يحتاج إلى جراح قلب، أو مريض فشل كلوي يبحث عن موعد غسيل منتظم.
هنا تصبح عيادات إدمان الإنترنت أقرب إلى ترف تنظيري، أو محاولة إلهاء المجتمع بعنوان جديد، بدلًا من مواجهة جذور الأزمة.
مستشفيات بلا أطباء.. ووزارة تطارد أشباحًا رقمية
انتقادات الأطباء والنقابيين تكشف فجوة واسعة بين خطاب الوزارة وواقع الخدمة الطبية على الأرض.
الدكتورة منى مينا، القيادية السابقة في نقابة الأطباء، تؤكد أن “الصحة النفسية مهمة، لكن المستشفيات تعاني نقصًا حادًا في الأطباء والمتخصصين، خصوصًا خارج القاهرة”، وتشدد على أن خدمات الرعاية الأساسية نفسها غير متوفرة بشكل كافٍ، وأن علاج الإدمان الرقمي لا يمكن أن يكون أولوية في ظل هذا الانهيار.
الأرقام والتقارير تشير منذ سنوات إلى تدني عدد الأطباء المتاحين فعليًا في القطاع الحكومي مقارنة بالمعايير الدولية، مع تمركز أغلبهم في المدن الكبرى، وتراجع خطير في المحافظات والريف والمناطق النائية.
هذا يعني عمليًا أن مواطنًا في قرية بمحافظة مهمشة قد لا يجد طبيب عظام أو قلب أو باطنة في مستشفاه المركزي، بينما تتحدث الوزارة بثقة عن “عيادات إدمان الإنترنت” و”برامج توعية رقمية”.
في مثل هذا السياق، تبدو الخطوة وكأنها مطاردة لأشباح رقمية في فضاء الإنترنت، بينما الجسد الحقيقي للمنظومة الصحية يتهاوى: عجز في الميزانيات، نقص في الأجهزة، تهالك في البنية التحتية، وأجور متدنية تدفع الأطباء إلى الهجرة أو الاستقالة.
إن تحويل ملف “إدمان الإنترنت” إلى واجهة إعلامية للصحة النفسية قد يخفف الضغط الإعلامي مؤقتًا، لكنه لا يرد على سؤال أساسي: من يعالج ملايين المرضى الذين لا يجدون سريرًا أو دواءً أو طبيبًا؟
أزمة أولويات تكشف فلسفة إدارة الصحة: تلميع مبادرات وترك الجذور تنزف
ما طرحه الدكتور سامح الشرقاوي، أستاذ الصحة العامة، يضع الإصبع على جوهر المشكلة حين يشدد على أن تطوير الرعاية الصحية يتطلب أولًا الاستثمار في التخصصات الأساسية كأمراض القلب والسكري والسرطان، وبناء نظام تأمين صحي فعّال، قبل التوسع في عيادات متخصصة.
بكلمات أخرى، ما يحدث ليس مجرد برنامج جديد، بل نموذج في “سوء ترتيب الأولويات”.
بدلًا من أن تعلن الوزارة عن خطة واضحة لوقف نزيف هجرة الأطباء، وتحسين بيئة العمل والأجور، وضمان توزيع عادل للكوادر بين المحافظات، نراها تتجه إلى مشاريع يمكن الترويج لها إعلاميًا بسهولة، لأنها جديدة و”مختلفة” ومرتبطة بعالم الإنترنت الذي يلفت الأنظار.
هذا النمط لا يقتصر على ملف الصحة، بل ينسجم مع فلسفة إدارة عامة تعتمد على “المشروعات الجانبية اللامعة” بدلًا من إصلاح البنية الأساسية المنهارة.
الخطير في الأمر أن ملف الصحة النفسية نفسه، الذي تتذرع به الوزارة لتسويق مبادرتها، يعاني من تهميش مزمن: عدد قليل من المتخصصين، ضعف في خدمات الدعم النفسي بالمستشفيات العامة، وغياب برامج حقيقية لعلاج الاكتئاب والقلق والاضطرابات المرتبطة بالفقر والبطالة والقمع الاجتماعي.
في هذه البيئة، التركيز على “إدمان الألعاب الإلكترونية” يبدو وكأنه اختزال للصحة النفسية في سلوك فردي، وتجاهل للأسباب العميقة التي تسحق نفسية ملايين المصريين يوميًا.
في النهاية، لا أحد ينكر أن الإدمان الرقمي مشكلة حقيقية تستحق العلاج والبحث والتوعية.
لكن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تكون على حساب أولويات أكثر إلحاحًا، ولا يمكن أن تتحول إلى ستار يخفي أزمة شاملة في نظام الرعاية الصحية.
ما يحتاجه المصريون اليوم ليس عيادة جديدة تحمل اسمًا جذابًا، بل منظومة صحية تحترم إنسانهم، وتوفر لهم طبيبًا ودواءً وسريرًا قبل أن تطلب منهم تقليل ساعاتهم أمام الشاشة.

