أسدل معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين ستاره في 3 فبراير، بعد 14 يومًا من الفعاليات، معلنًا رقمًا قياسيًا لعدد الزوار: 6,200,849 زائرًا، بحسب بيانات وزارة الثقافة ووسائل الإعلام الرسمية، التي وصفت الدورة بأنها «استثنائية على كل المستويات».
الصور القادمة من أرض المعرض كانت لافتة: ازدحام شديد، طوابير أمام الأجنحة، حفلات توقيع، فعاليات فنية وثقافية، وحضور كثيف للشباب والأسر.
على الورق، يبدو المشهد مبشّرًا: بلد يمر بأزمة اقتصادية خانقة، ومع ذلك يتدافع الملايين إلى معرض للكتاب.
لكن خلف هذا البريق الرسمي، يطرح سؤالان ثقيلان نفسيهما: ما طبيعة هذا «الإقبال»؟ وعلى أي ثقافة تراهن السلطة فعلًا في زمن الحجب والرقابة والخوارزميات؟
هنا يتحول المعرض من مجرد «حدث ناجح» إلى اختبار حقيقي لعلاقة الدولة بالكتاب، ولعلاقة الجيل الجديد بالمعرفة في زمن الشاشة.
بين طوفان الزوار وفراغ الوظيفة الثقافية
لا يمكن التقليل من دلالة أن أكثر من ستة ملايين شخص مرّوا من بوابات معرض القاهرة الدولي للكتاب في أسبوعين فقط.
لكن الرقم وحده لا يكفي ليكون دليلًا على استعادة الكتاب لمكانته، أو على وجود تحول عميق في سلوك القراءة عند الأجيال الجديدة.
حتى بعض المثقفين القريبين من المشهد الرسمي يعترفون بأن المعرض يتحول تدريجيًا إلى «فسحة عائلية» أكثر منه ساحة نقاش فكري؛ المفكر والكاتب مصطفى الفقي تحدث صراحة عن أن المعرض صار «مناسبة اجتماعية» تتركز فيها المشتريات حول سلع لا علاقة لها بالكتاب، داعيًا إلى مراجعة شاملة لدوره حتى يعود منارة للحوار الحر كما كان في عقود سابقة.
من جهة أخرى، يقدّم الكاتب والروائي عمار علي حسن قراءة أكثر قسوة: المعرض، في رأيه، لم يعد مجرد «مساحة آمنة» كما يحب المسؤولون وصفه، بل تحول إلى «مساحة باردة متكلسة مفلسة راكدة»، بعد أن كان مجالًا حيًا لصدام الأفكار وطرح قضايا الناس.
ويربط هذا التحول مباشرة بتراجع دور المثقفين في المجال العام، واستبعاد الأصوات المزعجة عن المنصات الكبرى، ومن بينها المعرض نفسه.
بين خطاب رسمي يحتفل بالرقم القياسي، وخطاب نقدي يتحدث عن «موت بطيء» للمعرض، يبرز خلل جوهري: الدولة تتعامل مع الحدث بوصفه «واجهة» تثبت أن الثقافة بخير، بينما يشير كثير من المثقفين إلى أن الوظيفة الحقيقية لمعرض كتاب ـ أي أن يكون ساحة للأسئلة والاختلاف والجدل ـ جرى إفراغها لصالح شكل جميل بلا مضمون.
رقابة صلبة ووصاية ناعمة: المعرض تحت عين الأمن
دورة هذا العام لم تمرّ من دون تجسّد ملموس للقبضة الأمنية على المجال الثقافي.
تقرير صحفي بارز رصد «أوامر خفية بالمنع» طالت روايات وكتبًا ودار نشر كاملة، بعضها حاصل على كل التصاريح القانونية ومطروح في الأسواق منذ شهور، لكن وجوده داخل المعرض اعتُبر «خطرًا زائدًا عن اللزوم».
الأديب يوسف زيدان كشف علنًا أن ناشر روايته «سفر العذارى» تلقى تعليمات من «جهات أمنية» بسحب الرواية من المعرض وإلغاء حفل توقيعها، قبل أن تدخل إدارة المعرض في سجال إنكاري انتهى بتأكيد دار النشر نفسها تلقيها اتصالًا رسميًا من أمن المعرض يطلب رفع الكتاب ومنع مناقشته.
بغض النظر عن تفاصيل الرواية ومضمونها، فإن الرسالة الأهم هنا أن قرار ما يُعرض وما يُمنع لا تحسمه لجان النقد أو ذائقة القراء، بل تقديرات أمنية مبهمة لا تُفصح عن معاييرها، وتترك الجميع في حالة قلق واستباق للعقاب.
في الخلفية، يتحدث عمار علي حسن عن شكل أكثر خطورة من الرقابة: تلك التي هبطت إلى «أقلام الكتاب أنفسهم»، حيث يكتب كثيرون وفي ذهنهم قائمة بالمحظورات الأمنية والسياسية التي قد تجرّ عليهم المنع أو التضييق، فيمارسون رقابة ذاتية خانقة قبل أن تصل نصوصهم إلى أي رقيب رسمي.
بهذا المعنى، يصبح المعرض مرآةً مكثفة لحالة أوسع: دولة قررت أن الكتاب والندوة والمناظرة قد تكون «خطرة» أكثر مما ينبغي، في زمن تخشى فيه السلطة من أي تجمع بشري حول فكرة لا تتحكم في حدودها.
وهنا تتبدى مفارقة لافتة: ملايين الزوار في فضاء مكتظ، لكن الأسئلة الأكثر إلحاحًا عن الحرية، والعدالة، والمستقبل، غائبة عن المنصات الرسمية، أو محصورة في هامش ضيق لا يسمح بصدام حقيقي.
من موسمية التظاهر بالقراءة إلى مشروعٍ للوعي
رغم هذه الصورة القاتمة، لا يمكن إنكار أن حماس كثير من الشباب داخل المعرض حقيقي.
كثيرون جاءوا بقوائم كتب جاهزة، وبعضهم يتابع كتابًا أو أكثر على المنصات الرقمية ثم يبحث عن أعمالهم الورقية. هذا الشغف الخام يحتاج إلى من يلتقطه، لا إلى من يحوّله إلى صورة بروتوكولية في نشرات الأخبار.
هنا يستعيد كاتب مثل بلال فضل معنى أبسط وأعمق للكتاب؛ ففي مقالاته عن علاقته بالقراءة ومكتبته الشخصية، يذكّر بأن الكتب ليست زينة على الرفوف ولا مناسبة موسمية، بل «ذاكرة حية» تحفظ تجارب البشر وتمنحهم فرصة ألا يبتلعهم النسيان.
إذا بقيت علاقة الأجيال الجديدة بالكتاب محصورة في زيارة سنوية مزدحمة، فإن «التريند» سيظل هو المتحكم الأول في وعيهم، مهما رفعت وزارة الثقافة من شعارات.
من جهته، يشير مصطفى الفقي إلى أن المعرض في زمن سابق كان «متنفسًا» يمنح هامش حرية لا يتوفر في منصات الدولة الأخرى، عبر ندوات جريئة وحوارات مفتوحة بين رموز فكرية وسياسية متباينة، ويرى أن استعادة شيء من هذا الدور شرطٌ لكي يكون للمعرض أثر حقيقي في تشكيل الوعي.
الرهان الحقيقي إذن ليس على رقم الزوار، بل على ما سيحدث بعد أن تُطوى الأجنحة وتُفكك المنصات.
هل ستبني المؤسسات الثقافية، الرسمية والمستقلة، على هذا الإقبال برامج مستدامة للقراءة في المدارس والجامعات والأحياء؟ هل ستتاح للمكتبات العامة ميزانيات حقيقية لتحديث مقتنياتها وفتح أبوابها للشباب؟ هل ستجرؤ الدولة على ترك هامش أوسع للنقاش الحر، داخل المعرض وخارجه، بدل إدارة الثقافة بمنطق الخوف من السؤال؟
حتى الآن، تبدو الإجابة معلّقة. ما نراه هو معرض أكثر تنظيمًا وشكلًا وازدحامًا من أي وقت مضى، لكنه محكوم بسياسة ترى في الثقافة «ملفًا يجب تحييده» لا ساحةً لصناعة وعي حر.
وبين ملايين الصور السعيدة على بوابات المعرض، يبقى السؤال الأثقل بلا جواب: هل نعيش صحوة قراءة حقيقية، أم احتفالًا عابرًا تُستخدم فيه الكتب ديكورًا في دولة تخشى من الكلمة أكثر مما تخشى من الجهل؟

