تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي خرقها المتكرر لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، في مشهد يومي بات يعكس استخفافًا صارخًا بحياة المدنيين، ويضاعف من معاناة إنسانية غير مسبوقة يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني تحت الحصار والقصف ونقص أبسط مقومات الحياة.
شهيد جديد جنوب خانيونس
استشهد مواطن فلسطيني، صباح اليوم الثلاثاء، متأثرًا بإصابته برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، في خرق جديد يضاف إلى سلسلة طويلة من الانتهاكات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار.
وأكدت مصادر طبية في مجمع ناصر الطبي وصول شهيد كان قد أُصيب برصاص قوات الاحتلال خارج مناطق انتشارها جنوب المدينة، فيما أعلن الدفاع المدني، فجر اليوم، إجلاء مصاب بنيران الاحتلال من حي الشيخ ناصر شرقي خانيونس، قبل أن يُعلن لاحقًا عن استشهاده متأثرًا بجراحه.
وتأتي هذه الجريمة ضمن سياق الخروقات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، والتي أسفرت، وفق أحدث إحصاءات صادرة عن وزارة الصحة في غزة، عن 526 شهيدًا و1,447 إصابة منذ 11 أكتوبر 2025، في تأكيد واضح على أن الاتفاق بات حبرًا على ورق أمام آلة القتل الإسرائيلية.
حرب صامتة على المرضى.. الدواء مفقود والمعاناة تتضاعف
بالتوازي مع نزيف الدم، يعيش قطاع غزة حربًا أخرى لا تقل فتكًا، عنوانها نقص الدواء واستهداف المرضى، لا سيما أصحاب الأمراض المزمنة، الذين باتوا يطاردون العلاج في شوارع المدن المنهكة.
تسع ساعات كاملة قضاها الشاب معتز عزيز (44 عامًا) متنقلًا بين الصيدليات والنقاط الطبية في مدينة خانيونس، بحثًا عن جرعة دواء تخفف آلام مرضه المزمن، قبل أن يُجبره تدهور حالته الصحية على التوجه إلى مستشفى الأمل، حيث تمكن الأطباء من توفير الدواء له من داخل قسم العناية المركزة.
يعاني عزيز من مرض الوهن العضلي، وهو مرض مزمن يؤدي إلى ضعف وتآكل في العضلات، ويؤكد أنه يعيش في قلق دائم بسبب الانقطاع المتكرر للدواء، محذرًا من أن الأطباء أبلغوه بأن أي توقف في العلاج قد يعرّض حياته للخطر في أي لحظة.
ولا يختلف حال المريض علاء الخطيب (56 عامًا)، المصاب بمرضَي الضغط والسكري، الذي يقول: "شهريًا أخوض معركة للحصول على علاجي، أذهب للعيادات فلا أجد الدواء، الأسواق مليئة بالشوكولاتة والكوكاكولا، ولا نجد حبة دواء تنقذ حياتنا".
تعديل قسري للعلاج.. ومخاطر صحية جسيمة
من جهته، أوضح الصيدلي الدكتور خالد عودة أن قطاع غزة يشهد شحًا غير مسبوق في أدوية الأمراض المزمنة، خصوصًا أدوية القلب والسكري والضغط والغدة الدرقية، مشيرًا إلى أن الطواقم الطبية تضطر أحيانًا لتعديل الخطط العلاجية وفق المتوفر، وهو ما يشكل خطرًا حقيقيًا على المرضى.
وأكد عودة أن دواء الغدة الدرقية مفقود منذ نحو ثلاثة أشهر دون وجود أي بدائل، حتى داخل المستشفيات، محذرًا من أن هذا النقص قد يقود إلى مضاعفات خطيرة يصعب السيطرة عليها.
وبيّن أن الاحتلال يسمح بإدخال أصناف محددة من أدوية الضغط، ويمنع أخرى، في سياسة انتقائية ممنهجة ترقى إلى عقاب جماعي للمرضى، وتضع الطواقم الطبية أمام تحديات معقدة، إذ يتطلب تغيير العلاج إعادة تقييم شاملة للحالة الصحية، وفحوصات وتحاليل جديدة، والدخول في بروتوكول علاجي كامل من الصفر.
وحذر من أن استمرار نقص الأدوية قد يؤدي إلى جلطات دماغية وقلبية، وتضخم عضلة القلب، واضطراب نبضاته لدى مرضى الضغط، إضافة إلى أضرار جسيمة في الكلى والكبد لدى مرضى السكري.
وزارة الصحة: الوضع بلغ مستويات خطيرة
بدوره، أكد مدير عام وزارة الصحة في غزة، الدكتور منير البرش، أن النقص الحاد في أدوية الأمراض المزمنة بلغ مستويات خطيرة وغير مسبوقة، مشيرًا إلى أن المنظومة الصحية تعمل في ظروف كارثية بفعل استمرار العدوان، وإغلاق المعابر، والتحكم الإسرائيلي في إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية.
وأوضح البرش أن الوزارة تبذل جهودًا مضاعفة لإدارة المخزون المتوفر وتوزيعه وفق أولويات طبية صارمة، إلا أن استمرار منع إدخال الأدوية المنقذة للحياة يهدد حياة آلاف المرضى، داعيًا المؤسسات الدولية والإنسانية إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والتحرك العاجل لضمان إدخال الأدوية دون قيود.
وتشير مصادر طبية إلى أن نسبة العجز في أدوية الأمراض المزمنة بلغت نحو 52%، ما ينذر بكارثة صحية صامتة تتفاقم يومًا بعد آخر.
الدفاع المدني يتوقف.. الوقود نفد
وفي تطور خطير، أعلن جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، توقف مركباته عن العمل بشكل كامل، نتيجة نفاد الوقود وعدم توفر الحد الأدنى اللازم للتدخلات الإنسانية.
وأوضح الدفاع المدني أن نفاد الوقود أدى إلى توقف مهام انتشال الجثامين، وتعذر إزالة الأخطار، وصعوبة الاستجابة لنداءات الاستغاثة، خاصة في ظل المنخفضات الجوية التي تتطلب جاهزية ميدانية عالية.
ودعا الجهاز المؤسسات الدولية والمنظمات الإنسانية إلى التدخل العاجل لتزويد الطواقم الإنسانية بالوقود، محذرًا من أن استمرار هذه الأزمة يهدد حياة آلاف المدنيين.
حماس تدعو لحراك عالمي متصاعد
في السياق ذاته، وجهت حركة المقاومة الإسلامية حماس نداءً عالميًا للتحرك في مسيرات غاضبة وفعاليات ضاغطة ضد استمرار العدوان والإبادة بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
ودعت الحركة إلى أن تكون الأيام المقبلة، لا سيما الجمعة والسبت والأحد من كل أسبوع، حراكًا عالميًا متواصلًا يعبر عن صوت الضمير الإنساني، ضد جرائم القتل الممنهج، ونسف المنازل والخيام، وخرق اتفاق وقف إطلاق النار بشكل متعمد.
وأكدت حماس أن حكومة الاحتلال، برئاسة بنيامين نتنياهو، تواصل انتهاك القوانين والأعراف الدولية، مطالبة أحرار العالم بتكثيف الضغط الشعبي لوقف العدوان، والالتزام بوقف إطلاق النار، وفتح المعابر، وبدء الإغاثة وإعادة الإعمار فورًا.

