أعاد قرار إنهاء الإعفاء الجمركي الاستثنائي للهواتف القادمة مع المسافرين إلى الواجهة سؤالًا مزدوجًا: هل الهدف الحقيقي هو ضبط سوق الاستيراد غير المنظم، أم تسريع توطين صناعة الهواتف محليًا، أم الأمران معًا؟

 

الواقع أن القرار جاء في لحظة تتوسع فيها الدولة في الحديث عن “حوكمة” سوق الأجهزة وتشجيع التجميع المحلي، لكن أثره على المستهلك سيتوقف على نقطة واحدة: هل يستطيع الإنتاج المحلي أن يقدّم بديلًا مقنعًا من حيث السعر والجودة والتوافر، أم تتحول الفجوة إلى مزيد من الضغط على جيوب الناس عبر ارتفاع أسعار العلامات غير المصنّعة محليًا.

 

قرار الإعفاء بين حماية السوق وتحفيز التصنيع

 

إنهاء الإعفاء الاستثنائي لا يعني فقط تحصيل رسوم إضافية، بل يعني تغييرًا في قواعد اللعبة التي عاش عليها سوق الهواتف لسنوات: الاعتماد على أجهزة تدخل مع المسافرين، أو عبر قنوات رمادية يصعب ضبطها. إعلان إنهاء الإعفاء، وفق تغطيات صحفية، جاء بصيغة واضحة بأن الاستثناء المؤقت انتهى، وبذلك يصبح إدخال الهاتف من الخارج خاضعًا لإجراءات ورسوم وضوابط، بدلًا من كونه مسارًا سهلًا يتكرر يوميًا.

 

من زاوية الحكومة، يُقدَّم هذا التوجه عادة كجزء من “تنظيم السوق” وتقليص التهريب وتشجيع المكوّن المحلي. ومن زاوية المستهلك، يظهر القلق من أن يتحول القرار إلى زيادة عامة في الأسعار، خصوصًا للعلامات التي لا تمتلك خطوط إنتاج محلية. وبين الزاويتين، تبرز نقطة ثالثة: إذا كانت الدولة تراهن على التصنيع المحلي، فهي مطالبة بأن تجعل هذا التصنيع قادرًا على استيعاب الطلب وتقديم موديلات تناسب شرائح واسعة، وإلا سيُقرأ القرار باعتباره عبئًا ماليًا أكثر منه سياسة صناعية.

 

خريطة الإنتاج المحلي: تجميع عالمي في مدن صناعية وشراكات محلية

 

خلال الأعوام الأخيرة، تشكلت في مصر “خريطة تصنيع” تقوم في جوهرها على التجميع المحلي أكثر من التصنيع الكامل للمكونات، لكنها تظل خطوة مهمة إذا صاحبتها زيادة في المحتوى المحلي ونقل خبرات وتشغيل عمالة وتطوير سلاسل توريد. في مقدمة الأسماء التي ارتبطت بتجميع الهواتف محليًا سامسونج عبر مصنعها في بني سويف، حيث أشارت مواد منشورة إلى إنتاج هواتف “صنع في مصر” ضمن خطوط هذا المصنع. 

 

كما توسع حضور أوبو عبر افتتاح مصنع في مدينة العاشر من رمضان ضمن خطة تستهدف التصنيع المحلي والتصدير، وفق بيانات رسمية وتغطيات إعلامية. ويأتي اسم فيفو ضمن العلامات التي أعلنت عن تعزيز التصنيع المحلي أيضًا، مع حديث متكرر في منصات اقتصادية عن مصنع وقدرات إنتاجية تستهدف السوق المحلي وخارجه.

 

وعلى مسار مختلف، يظهر نموذج الشراكات مع مصانع محلية متخصصة. شاومي على سبيل المثال عرضت خطوط إنتاج وتجميع في مصر عبر شريك صناعي محلي، مع تركيز على معايير فحص وجودة وتحسين قدرات العمالة الفنية، وهو ما يقدَّم عادة كجزء من بناء قاعدة تصنيع إلكترونيات أوسع من مجرد “تجميع نهائي”.

 

أما ملف إتش إم دي جلوبال المرتبط بعلامة نوكيا فقد حظي بتغطية رسمية عن بدء التصنيع في مصر ضمن ترتيبات تستهدف السوق والتصدير، بما يعكس أن “التجميع المحلي” لم يعد مقتصرًا على علامة واحدة أو مصنع واحد. وفي السياق نفسه، تُذكر سيكو بوصفها تجربة محلية مبكرة، إضافة إلى شراكاتها في تصنيع هواتف لعلامات أخرى مثل إنفينيكس داخل خطوط إنتاج محلية. 

 

هذه الخريطة، وفق تقارير اقتصادية، تتسع لتشمل عددًا كبيرًا من العلامات وخطوط الإنتاج، ما يعني أن الدولة بالفعل تدفع باتجاه تحويل مصر إلى منصة تجميع إقليمية.

 

لكن اتساع الخريطة لا يجيب وحده عن سؤال المستهلك: هل المعروض المحلي يغطي الشرائح التي كانت تعتمد على الاستيراد؟ وهل المنافسة المحلية كافية لمنع ارتفاعات كبيرة في الأسعار؟

 

العلامات غير المُصنّعة محليًا: لماذا بقيت خارج المشهد؟

 

هنا تظهر “الهواتف الغائبة عن الخريطة”. فحتى مع توسع التجميع المحلي، لا تزال علامات بارزة لا توجد حتى الآن إعلانات رسمية موثوقة عن امتلاكها خطوط تصنيع داخل مصر، وعلى رأسها آبل التي تتحدث تقارير عن سعي مصر لجذبها ضمن استراتيجية التحول لمركز تصنيع، وهو ما يفهم منه أن وجودها التصنيعي المحلي ليس واقعًا قائمًا بعد.

 

الأمر نفسه ينسحب على هواتف جوجل من فئة بيكسل، إذ تتركز سلاسل التصنيع والتجميع المعلنة في دول آسيوية مثل فيتنام وفق تغطيات حديثة، بما يشير إلى أن هذه الفئة ليست ضمن موجة التصنيع المحلي في مصر حتى الآن. 

 

وبالمثل، هناك علامات رائجة بين فئة المهتمين بالتقنية مثل ون بلس أو علامات ذات حضور محدود مثل سوني، والتي يعتمد وجودها في السوق غالبًا على الاستيراد عبر وكلاء وموزعين، ما يجعلها الأكثر حساسية لأي تشديد في الرسوم والضوابط.

 

لماذا تغيب هذه العلامات؟ غالبًا لأن قرار إنشاء خطوط تصنيع لا يتعلق بالرغبة وحدها، بل بحجم الطلب المحلي، وتوفر شبكة موردين لمكونات أساسية، وقدرة المصنع المحلي على الالتزام بمستويات جودة عالمية، إضافة إلى حسابات الشركة نفسها حول أين تضع مصانعها في العالم. ولهذا قد تكون النتيجة المباشرة لإلغاء الإعفاء هي اتساع الفارق بين فئتين: فئة علامات لديها بديل محلي يمكن أن يهدئ الأسعار، وفئة أخرى ستظل مرتبطة بالاستيراد وبالتالي ستتحمل أثر القيود بصورة أكبر.

 

واخيرا فان إلغاء الإعفاء الجمركي على الهواتف لا يمكن قراءته كقرار مالي فقط، ولا كقرار صناعي فقط، بل كاختبار لقدرة الدولة على تحويل السياسات إلى سوق أكثر عدلًا واستقرارًا. إذا تزامن التشديد على الواردات مع توسع إنتاج محلي حقيقي، وتنوع موديلات، ورقابة جودة، ومنافسة تمنع الاحتكار، فقد يتحول القرار إلى نقطة دفع لصناعة إلكترونيات أوسع.

 

أما إذا سبق التنظيمُ البديلَ المحلي، فستظهر الفاتورة سريعًا على هيئة ارتفاعات سعرية وتراجع في خيارات المستهلك واتساع سوقٍ غير رسمي. النجاح هنا ليس في تقليل الأجهزة القادمة من الخارج بقدر ما هو في أن يجد الناس داخل السوق بديلًا محليًا مقنعًا، وأن يتحول “التجميع” تدريجيًا إلى سلسلة قيمة أعمق تستفيد منها الصناعة والمستهلك معًا.