أعادت الحكومة فتح باب تصدير السكر بعد فترة طويلة من القيود، في خطوة قالت تقارير اقتصادية إنها تستهدف امتصاص الفائض المتراكم لدى المنتجين، وتحسين قدرة المصانع على تصريف الإنتاج والحصول على سيولة، مع الإبقاء على أولوية توافر السلعة محليًا واستقرار الأسعار.
ويأتي القرار بعد مرحلة شهدت تشددًا في منع التصدير بهدف حماية السوق الداخلية من تقلبات الأسعار والندرة، ثم تحولات تدريجية في ميزان العرض والطلب مع توسع الإنتاج المحلي وتغيّر هيكل الصناعة بين سكر القصب وسكر البنجر.
قرار التصدير: لماذا الآن وما الذي تغيّر في السوق؟
المنطق المعلن وراء إعادة التصدير يرتبط بوجود مخزونات كبيرة لدى الشركات المنتجة، وبروز حاجة لدعم استدامة المصانع بعد فترة من تثبيت الأسعار والقيود التي ضغطت على هوامش الربح، بحسب ما نقلته صحف محلية عن مصادر في وزارة التموين والتجارة الداخلية.
كما أشارت منصات أعمال إلى أن السماح بالتصدير يُستخدم كصمام أمان عندما تتحول الوفرة المحلية إلى عبء على الشركات، لأن تكدس المخزون يجمّد رأس المال ويهدد دورة التشغيل، خصوصًا مع تكاليف الطاقة والنقل والتمويل.
لكن قرارًا كهذا لا يُفهم بمعزل عن تجربة أزمة السكر السابقة، حين كانت الدولة تميل إلى تقييد التصدير لتأمين الإمدادات الداخلية وتهدئة الأسعار.
وتذكر تقارير اقتصادية أن القيود التي بدأت خلال موجة اضطراب السوق جرى تمديدها أكثر من مرة.
لذلك يمكن قراءة الخطوة الحالية كإشارة إلى أن صانع القرار يرى أن المخاطر انعكست: بدل خطر النقص، باتت المشكلة في إدارة فائض الإنتاج وحماية الصناعة من خسائر التكدس، مع ضمان ألا يعود التصدير ليخلق فجوة في السوق المحلية.
إنتاج السكر في مصر: صورة عامة بلا مبالغة ولا تهوين
إنتاج مصر من السكر يقوم تاريخيًا على مصدرين رئيسيين: القصب في صعيد مصر، والبنجر في مناطق الدلتا والأراضي الجديدة.
وخلال الفترة الأخيرة برز البنجر كمحرك نمو أسرع داخل الصناعة، مدفوعًا بتوسع الزراعة التعاقدية وتطوير خطوط الإنتاج في مصانع البنجر، ما غيّر تدريجيًا توازن “من أين يأتي السكر” داخل السوق.
وعلى مستوى الخطاب الرسمي، نقلت رويترز عن وزير التموين أن البلاد حققت اكتفاءً ذاتيًا من السكر خلال عام سابق، في إطار خطة تعتمد على دعم الإنتاج المحلي لمحصولي القصب والبنجر، وتحسين الإنتاجية والتوسع الزراعي.
كما دعمت تغطيات أخرى فكرة تحسن الأرصدة الاستراتيجية وتوافر السلعة لفترات أطول، وهو ما تستخدمه الحكومة عادة كمؤشر على أن السوق يمكنها تحمل قدر من الانفتاح التجاري دون اضطراب فوري.
ومع ذلك، تظل “صورة الإنتاج السنوي” مرتبطة بعوامل متغيرة: كفاءة التوريد للمصانع، أسعار المحاصيل للمزارعين، كلفة النقل، كفاءة الاستخلاص، وحجم الاستهلاك المحلي الذي يتأثر بالدخل والتضخم وأنماط الغذاء.
لذلك فإن الحديث عن وفرة تسمح بالتصدير لا يعني بالضرورة انتهاء تحديات القطاع، بل يعني أن التحدي انتقل من “تأمين الكميات” إلى “إدارة الدورة الاقتصادية للصناعة” من الزراعة إلى المصنع ثم السوق.
المكاسب المتوقعة والمخاطر المحتملة: كيف ينجح القرار دون أن يرتد على المستهلك؟
من زاوية المنتجين، السماح بالتصدير قد يحقق عدة مكاسب: تصريف المخزون الراكد، تحسين التدفقات النقدية، الحفاظ على استمرار خطوط الإنتاج، وحماية سلاسل التوريد من الانكماش الذي قد يصيبها إذا تراكمت الخسائر.
كما يمنح القطاع نافذة للاستفادة من دورات الأسعار العالمية عندما تتحسن، بدل البقاء رهينة سوق محلية قد تكون مشبعة لفترة ما.
لكن المخاطر واضحة أيضًا.
- أولها أن أي زيادة في التصدير دون ضوابط قد تعيد الضغط على المعروض المحلي، فتظهر موجة ارتفاع أسعار جديدة، خاصة إذا تزامن ذلك مع اضطراب في الاستيراد أو تغير مفاجئ في الطلب.
لهذا تتحدث بعض التقارير عن “مراقبة” الكميات المصدرة ومواءمتها مع احتياجات السوق، لأن هدف القرار سياسيًا واقتصاديًا هو امتصاص الفائض لا خلق أزمة جديدة.
- الخطر الثاني يتعلق بالحوكمة: من يحصل على فرصة التصدير؟ وكيف تُدار الرخص أو الموافقات؟ وهل تُستخدم لزيادة أرباح قلة على حساب استقرار السوق؟ والخطر الثالث يرتبط ببنية الصناعة نفسها: إذا كانت الزيادة في الإنتاج قادمة من توسع البنجر، فاستدامتها تحتاج توازنًا في أسعار شراء المحصول من المزارعين، وإلا قد تنكمش الزراعة في موسم لاحق وتختفي الوفرة بسرعة.
وأخيرا فان فتح تصدير السكر بعد سنوات من التقييد ليس مجرد قرار تجاري، بل مؤشر على تحول في تقييم الدولة لمعادلة السوق: من أولوية “منع النقص” إلى أولوية “إدارة الفائض” وحماية دورة التشغيل في المصانع.
نجاح الخطوة سيتوقف على مدى دقة الضبط بين مصلحة المنتجين واستقرار الأسعار للمستهلكين، وعلى وجود آلية مرنة تسمح بالتصدير عندما تتوافر وفرة حقيقية، وتكبحه فور ظهور مؤشرات نقص أو قفزات سعرية. وبقدر ما يعكس القرار تحسنًا في جانب الإمدادات، فهو يضع اختبارًا جديدًا أمام إدارة السوق: كيف تتحول الوفرة إلى قيمة اقتصادية دون أن تتحول إلى موجة تضخم جديدة.

