في الوقت الذي ما زالت فيه الولايات المتحدة والعالم يحاولان تفكيك شبكة العلاقات المعقدة للملياردير الراحل جيفري إبستين، كشفت الدفعة الأحدث من ما بات يُعرف إعلاميًا بـ«وثائق إبستين» عن خيوط تمتد إلى عواصم عربية، وتلامس أسماء دبلوماسية وسياسية من الصف الأول، من بينها عمرو موسى وأحمد أبو الغيط وساسة عرب آخرين.

 

الوثائق، التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية ضمن نحو 3.5 مليون صفحة من المراسلات والسجلات، لا تتهم هؤلاء بشكل مباشر بجرائم جنسية أو فساد مالي، لكنها تظهرهم على قوائم مدعوين ومخاطبات مع إبستين في سياق منتديات سياسية رفيعة المستوى، وهو ما يفتح الباب لأسئلة محرجة حول طبيعة دوائر النفوذ، ومعايير التدقيق، وحدود المسافة المفترضة بين كبار المسؤولين ورجال المال الغامضين.

 

منتدى «صير بني ياس».. بريد إلكتروني واحد يكشف شبكة واسعة من الأسماء

 

الوثائق الجديدة تتوقف عند بريد إلكتروني تلقّاه إبستين في 1 أكتوبر 2010، يدعوه لحضور «ملتقى رفيع المستوى» في الإمارات، هو «منتدى صير بني ياس» الذي انعقد بين 5 و8 نوفمبر من العام نفسه، بالتعاون مع معهد السلام الدولي. الرسالة تعده صراحةً بـ«وقت خاص مع كل منهم» في إشارة إلى الحضور، وتؤكد أن «تصريحه الأمني قد تمت الموافقة عليه».

 

قائمة الأسماء الواردة في تلك المراسلات تعكس ثقل المنتدى؛ إذ تشمل وزير الخارجية المصري آنذاك والأمين العام الحالي لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، ورئيس الوزراء اللبناني وقتها سعد الحريري، ووزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، ورئيس الوزراء القطري حينها الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني. لاحقًا، تضيف رسائل أخرى أسماءً أكثر حساسية، من بينها عمرو موسى بصفته الأمين العام لجامعة الدول العربية في ذلك الوقت والمستشار الدولي لمعهد السلام الدولي، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ووزير الخارجية الأردني آنذاك ناصر جودة، إلى جانب توني بلير مبعوث اللجنة الرباعية الدولية.

 

وجود إبستين على لائحة مدعوين بهذا الوزن السياسي لا يعني قانونيًا أو أخلاقيًا أن هؤلاء كانوا على دراية بطبيعة تورط الرجل في جرائم استغلال قاصرات؛ كثير من التفاصيل لم تكن قد ظهرت للعلن بعد. لكن مجرد حصوله على «تصريح أمني» وحجزه مقعدًا في منتدى مغلق يتناول قضايا السلم والأمن في الشرق الأوسط، يثير تساؤلات عن آليات الفرز والتحقق التي سمحت لرجل تحوم حوله شبهات مبكرة بالاقتراب من غرف مغلقة يجتمع فيها قادة ومسؤولون عرب ودوليون.

 

تقاطع المال والسياسة: كيف تمدد إبستين نحو الشرق الأوسط؟

 

الوثائق لا تكتفي بإظهار دعوة واحدة، بل ترسم صورة أوسع لشبكة علاقات إبستين مع عالم السياسة والمال. فبعد تلقيه الدعوة إلى منتدى «صير بني ياس»، أعاد توجيه البريد إلى شخصيات مالية نافذة مثل جيس ستالي، الرئيس التنفيذي السابق لبنك «باركليز»، الذي وصف الأمر بأنه «مذهل»، وإلى شريكته جيسلين ماكسويل، وتوم بريتزكر رئيس مجلس إدارة فنادق «حياة»، وبوريس نيكوليتش المستشار العلمي لمؤسسة بيل وميليندا جيتس.

 

هذا السلوك يكشف طريقة عمل إبستين: استثمار كل منصة أو مناسبة رفيعة المستوى لفتح أبواب جديدة أمام نفوذه، وتقديم نفسه كحلقة وصل بين رجال المال وصناع القرار. الشرق الأوسط، الغارق في صراعاته السياسية والأمنية، بدا بدوره ساحة إضافية يمكن لرجل مثله أن يحاول التمدد فيها؛ منتديات مغلقة، نقاشات عن الأمن الإقليمي، حوارات غير رسمية على هامش الجلسات… كل ذلك يوفر له فرصة لنسج علاقات جديدة مع حكومات ونخب سياسية، بعيدًا عن الأضواء الرسمية.

 

مرة أخرى، لا تتحدث الوثائق عن صفقات محددة أو أدوار مباشرة لإبستين في ملفات سياسية عربية، لكنها توضح أنه كان حريصًا على توظيف حضوره في مثل هذه الفعاليات لتعزيز صورته كفاعل في السياسة الدولية، لا مجرد مستثمر أو مدير أموال. وهذا ما يجعل ظهور أسماء عربية رسمية في وثائق مرتبطة به أمرًا شديد الحساسية، خاصة بعد انكشاف الحجم الكارثي لجرائمه لاحقًا.

 

ما بعد الفضيحة: أسئلة الشفافية والمساءلة في الفضاء العربي

 

القضية الجنائية نفسها معروفة: في 6 يوليو 2019 أُلقي القبض على إبستين في فلوريدا بتهم الاتجار بقاصرات واستغلال فتيات دون السن القانونية بين عامي 2002 و2005 في ممتلكاته بنيويورك وبالم بيتش، ثم وُجد ميتًا في زنزانته بعد أسابيع، وسُجّلت الوفاة رسميًا بوصفها انتحارًا، وسط شكوك وشائعات لم تهدأ حول ملابساتها. وزارة العدل الأمريكية اليوم تواصل نشر دفعات متتالية من الوثائق، تجاوزت حتى الآن عشرات آلاف الصفحات، التزامًا بقانون خاص لشفافية ملفات القضية.

 

بالنسبة للرأي العام العربي، لا تكمن أهمية الوثائق فقط في الفضول حول ظهور هذا الاسم أو ذاك، بل في الأسئلة الأعمق التي تطرحها: كيف تُدار دوائر النفوذ والعلاقات الدولية في منطقتنا؟ ما هي معايير التدقيق في هوية وسمعة من يُدعون إلى منتديات مغلقة مع رؤساء ووزراء ومسؤولين رفيعي المستوى؟ وهل لدى الحكومات والمؤسسات العربية استعداد لمصارحة شعوبها بحقيقة ما جرى في تلك الفعاليات، ومن عرّف بمن، ومن فتح الأبواب أمام رجل انتهى به الأمر متهمًا بإدارة شبكة استغلال جنسي عابرة للحدود؟

 

لا أحد يستطيع – ولا ينبغي – أن يقفز إلى استنتاجات جنائية بحق شخصيات عربية لمجرد ظهور أسمائها في رسائل دعوة أو قوائم حضور؛ هذا خط فاصل بين التحقيق المهني والتشهير المجاني. لكن في المقابل، تجاهل هذه المعطيات تمامًا، أو التعامل معها كأنها «تفاصيل هامشية» في فضيحة لا تخصنا، يعكس عطبًا خطيرًا في ثقافة المساءلة.

 

الوثائق تقول شيئًا واضحًا: جيفري إبستين لم يكن مجرد منحرف جنسي يعمل في الظل، بل كان جزءًا من شبكة عالمية تختلط فيها المصالح المالية بالعلاقات السياسية والدبلوماسية. وعندما تظهر في تلك الشبكة أسماء عربية ومصرية معروفة، فإن الحد الأدنى من احترام الرأي العام يقتضي توضيحات شفافة من أصحاب الشأن، واستعدادًا مؤسسيًا لمراجعة آليات الدعوة والتواصل والتدقيق، حتى لا تتكرر مستقبلاً صورة رجل متورط في جرائم بشعة وهو يتنقل بسلاسة بين منتديات الإقليم باعتباره «ضيف شرف» أو «خبيرًا في العلاقات الدولية».